“بصمات خالدة” … كتاب عن عظماء وساسة وفلاسفة وعلماء ومناضلين

  • 22 مايو 2016

طيلة الوقت يلتفت كتاب وباحثون ومفكرون إلى شخصيات بارزة، تركت علامات كبرى، وأثراً خالداً، لا يمكن لعين بصيرة أن تغفله، ولا لعقل فهيم أن يهمله، منها، الذين أسسوا دولاً، ومن شقوا مسارات سياسية مشهودة، أو صنعوا تجارب لا تنسى، أو بذلوا جهداً فائقاً تعانق فيه الصواب والإخلاص في سبيل رفعة أمتهم، أو أبدعوا في العلوم والمعارف، فغيروا وجه البشرية إلى الأفضل.

وقديما انشغل كثيرون بالرجال الكبار الذين قام جانب عريض من التاريخ على أكتافهم، وسجلت القرائح الشعبية لبعض الأمم سيرهم وأضفت عليها كل سمات الجمال والجلال والهيبة والخير. وحديثا انشغل العلماء والفلاسفة بسير البارزين على مر الأيام المديدة التي قطعها البشر في الحياة، فحلل توماس كارليل صفاتهم وسماتهم وأدوارهم في عمله اللافت “الأبطال”، وأعد كثيرون موسوعات للأعلام في مختلف المسارات والمجالات والتخصصات، وكتب عباس محمود العقاد عبقرياته الشهيرة عن محمد صلى الله عليه وسلم، والمسيح عليه السلام، والصحابة عمر وأبو بكر وعلي، وكتب طه حسين ومحمد حسين هيكل وخالد محمد خالد سيرا للصحابة، وكتب حسين أمين عن “المائة الأعظم في الإسلام”.

والتفت أدباء إلى هؤلاء، فأبدعوا روايات عن حياتهم، إذ كتب جبرائيل جارثيا ماركيز عن سيمون بوليفار محرر أمريكا اللاتينية رواية “الجنرال في متاهة” وكتب زكريا عبيد عن محمد علي باشا رواية “جنة خانة” وكتب بنسالم حميش رواية “العلامة” عن ابن خلدون وكتب أبو المعاطي أبو النجا عن عبد الله النديم، خطيب الثورة العرابية، رواية “العودة إلى المنفى”، وكثير من مسرحيات شكسبير عن شخصيات تاريخية حقيقية.

وبعض العظماء كتبوا هم بأنفسهم سيرهم الذاتية، فنيلسون مانديلا كتب سيرة نضاله، وغاندي حكى كل حكايته من الطفولة إلى الشيخوخة بكل تفاصيلها الصغيرة، حتى هتلر، النازي الذي ساهم في تدمير البشرية، كتب عن نفسه كتابا عنوانه “كفاحي”.

وكل من كتب حرص على أن يبدع الزاوية التي يدخل منها إلى رحاب تلك الشخصيات، ويحدد الشكل الذي يتناولها فيه، وهو ما فعله الدكتور جمال سند السويدي أستاذ العلوم السياسية بجامعة الإمارات ومدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في كتابه الأخير “بصمات خالدة .. شخصيات صنعت التاريخ وأخرى غيرت مستقبل أوطانها” الذي عرض فيه ووصف وحلل سمات وأدوار اثني وعشرين شخصية بارزة، أعطى لكل منها عنوانا، يشكل مفتاحا لقراءة سيرتها، والوقوف على إسهامها الكبير في حركة الحياة.

ويبدأ السويدي كتابه بعنوان “صانع التاريخ” عن شخصية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة، وبعده يأتي الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الإمارات تحت عنوان “قائد مرحلة التمكين”، وبعدهما الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بعنوان “قائد لا يعرف المستحيل” ثم الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بعنوان “فخر الإمارات”، والشيخة فاطمة بنت مبارك بعنوان “أم الإنسانية”. ومن الطبيعي أن تكون لهذه الشخصيات مكانة قوية في عقل ونفس باحث ومفكر إماراتي.

وبعدها تبدأ الشخصيات العربية، لنجد الرئيسين المصريين جمال عبد الناصر وعبد الفتاح السيسي، ومؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز آل سعود، والعاهل المغربي الراحل الملك الحسن، ومحمد علي باشا صانع مصر الحديثة، وعمر المختار المناضل الليبي العظيم. وبعدها تأتي شخصيات مثل المهاتما غاندي، وماو تسي تونج، وجورج واشنطن، ونيلسون مانديلا، ولي كوان يو، وإليزابيث الثانية، ومارتن لوثر كنج، ومارجريت تاتشر، وألبرت إينشتاين، وألفريد هيتشكوك، وستيف بول جوبز.

وقد حرص السويدي ألا يجعل شخصاً ساهم في الخراب والتدمير يتسلل إلى كتابه، رغم أن بعض هؤلاء يعتبرون بارزين بل عظماء في نظر شعوبهم أو قطاع عريض منها، وهنا يقول: “إنني لا أتناول في هذا الكتاب الشخصيات التي أحدثت تحولات سلبية أو كارثية في تاريخ بلادها والعالم وهي كثيرة، فما أسهل الخراب والدمار، وما أيسر إشعال الحروب والحرائق التي تدمر البشرية، فالأمر لا يحتاج إلا إلى شرارة يطلقها بعض الحمقى أو المجانين. أما الذين سلكوا طريق البناء والتنمية، وزرعوا بذور المحبة والسلام بين الشعوب، وأضاءوا طريق الخير والتقدم أمامها، وقدموا اختراعات عظيمة غيرت حياة الناس إلى الأفضل، فقد اختاروا الطريق الصعب، طريق العمل والحكمة والإرادة الصلبة.

وهؤلاء هم الذين يستحقون الكتابة عنهم، وتخليد ذكراهم، وتسليط الضوء على جوانب مشرقة من تاريخ حياتهم، وتوجيه الأجيال الجديدة إلى البحث في فكرهم، والاستفادة منه، والتأسي بسيرهم”.

ولا يفتح السويدي في كتابه باب الجدل حول الأخذ والرد، والمدح والقدح، الذي نال بعض هذه الشخصيات، وهي المادة التي حفلت بها كتابات تاريخية وسياسية وصحفية عدة، فهذا ليس مقصده، وليست غايته، إنما ترك المختلفين يتشاجرون ويتنابذون، وكل يدعي أن ما ينطق به هو الحق والصواب، وذهب مباشرة إلى التحولات الإيجابية التي أحدثتها هذه الشخصيات، أو البصمات الكبرى، التي صارت طابعاً مميزا لها، ملتصقة بها، وهم يعرفون من خلالها عند الأغلبية الكاسحة من الناس، لاسيما في أيامنا تلك.

ووضع السويدي معايير سبعة لاختيار شخصياته تلك وهي: قوة الإرادة، ومحبة الناس، والقدرة على تعبئة الشعوب نحو التقدم والرقي، والعمل من أجل الغايات والأهداف الكبرى، وتوافر سمات القيادة والزعامة، والكفاح وبذل الجهد والقدرة على تخطى الصعاب.

وينتهي السويدي من دراسة هذه الشخصيات إلى عدد من الدروس، أولها أن الإبداع فعل إرادي، والتفوق فعل إرادي، وأن الإنسان يستطيع أن يكون ما يريد شرط أن يعمل في سبيل هذا عملا فائقا متواصلا. وثانيها أن العمل بروح الفريق هو ضرورة للقائد الناجح، الذي بوسعه أن يشحذ همم، ويحشد طاقة، ويشحن إرادة، كل من حوله، ليعملوا جميعا في سبيل تحقيق الهدف الذي يصبو القائد إليه. وثالثها، هو ضرورة الإيمان بأن ما تركه لنا الأولون ليس كافيا، ولا يجب أن نستسلم له، بل ننطلق منه لنضيف إليه، ونسمو فوقه إلى آفاق رحبة، بلا أي حدود ولا سدود ولا قيود على أحلامنا ما دامت خيرة ونيرة. ورابعها أن يؤمن القائد بأن له رسالة، وليس مجرد مدير أو رئيس أو منسق أو مييسر أعمال.

وخامسها ضرورة الإخلاص للدور والإيمان به، فالصواب وحده ليس كافياً، إنما من الضروري أن يصاحبه إخلاص وتجرد بل وتفان في العمل.

أخيراً يبين لنا كتاب “بصمات خالدة” بجلاء أن طرق العظمة متنوعة، وأن إطلاق طاقة الإبداع ضرورة، وأن الشعوب لا تنسى من عملوا من أجل إرتقائها وتقدمها، وأن كل المجتمعات الإنسانية لديها عظمائها الذين تركوا لها بصمات خالدة.

رابــط الخبـــر

Share