انطلاق فعاليات مؤتمر الطاقة السنوي الـثامن عشر بأبوظبي

  • 12 نوفمبر 2012

انطلقت في مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية بالعاصمة الاماراتية ابوظبي اليوم فعاليات المؤتمر السنوي الثامن عشر للطاقة الذي ينظمه المركز ، برعاية الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، تحت عنوان “التكنولوجيا ومستقبل الطاقة”.

يستمر المؤتمر يومين، ويحضره جمع غفير من المسؤولين والخبراء والمختصين في مجالات التكنولوجيا والطاقة والاقتصاد في منطقة الشرق الأوسط والعالم.

نمو الطلب على الطاقة

في أولى جلسات المؤتمر، تلا الدكتور كين كوياما، كبير خبراء الاقتصاد والعضو المنتدب في معهد اقتصاديات الطاقة باليابان، ورقته البحثية بعنوان “التغيرات في ميزان العرض والطلب العالمي على الطاقة”، توقع فيها أن يواصل الطلب العالمي على الطاقة ارتفاعه على المدى الطويل، مدعومًا بنمو اقتصادي وسكاني. فخلال العقود المقبلة، سينمو الطلب على الطاقة بمعدل كبير في كل من الصين والهند وغيرهما من الدول الآسيوية النامية، وكذلك في منطقة الشرق الأوسط. أما بالنسبة لمعدل نمو الطلب في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فسيبقى ثابتًا، أو قد ينخفض بفعل انخفاض معدلات النمو الاقتصادي وازدياد كفاءة الطاقة.

أضاف كوياما: “سيشهد الوقود الأحفوري النمو الأكبر، ومع ذلك أتوقع أن تتطور الطاقة المتجددة بشكل سريع بفضل السياسات الداعمة وانخفاض التكاليف، وأتوقع أيضًا تزايد استخدام الطاقة النووية عالميًا حتى بعد حادثة فوكوشيما، وسيكون النمو في الأسواق الناشئة هو الأعلى، لا سيما في الصين والهند”.

التحوّل الجيوسياسي مؤثر

وأوضح أن الوقود الأحفوري سيظل مصدر الطاقة المهيمن في المستقبل المنظور، مدعومًا بمزايا عدة أهمها التنافسية الاقتصادية والقدرة على تحمل التكاليف ووفرة الموارد. وأشار إلى أهمية ملاحظة أن مزيج الطاقة في المستقبل قد يختلف عن مثيله الحالي على الصعيدين الوطني والعالمي، متأثرًا بدوافع مهمة مثل سياسة الطاقة والبيئة وتطوير التكنولوجيا والمتغيرات الجيوبوليتيكية ونظيراتها ذات الصلة بالجغرافيا الاقتصادية.

ولفت كوياما إلى تطورات أخرى، غير الطلب، ستؤثر في مشهد الطاقة العالمية، يأتي في مقدمتها تطور الغاز الصخري في الولايات المتحدة الأمريكية وآثار ذلك في أسواق الطاقة العالمية، فضلًا عن المتغيرات الجيوبوليتيكية للطاقة، وأثر حادثة فوكوشيما في السياسات النووية العالمية ومحافظ الطاقة.

ودعا إلى أخذ التوترات الجيوبوليتيكية وتأثيراتها في منطقة الشرق الأوسط بالحسبان، بما في ذلك القضايا المتصلة بالربيع العربي، بوصفها عاملًا مهمًا يؤثر في سوق الطاقة العالمية.

توقعات غير أكيدة

في الجلسة نفسها، ذكر الدكتور روبرت جي سكينر، رئيس شركة كيماكال إنيرجي استراتيجيز المحدودة في كندا، أن أحدث تقارير توقعات الطاقة العالمية الصادر عن وكالة الطاقة الدولية (IEA) يتوقع الحاجة إلى استثمار 38 تريليون دولار في قطاع الطاقة بين العامين 2011 و2035، بالاستناد إلى مجموعة من الافتراضات المتعلقة بالأسعار والنمو الاقتصادي والتركيبة السكانية وتنفيذ سياسات الطاقة والمناخ المعلنة.

واوضح سكينر أن الصورة العامة التي رسمتها تقارير توقعات الطاقة العالمية تغيرت قليلًا في العقدين الماضيين، إذ تتكهن بمستقبل يهيمن عليه الوقود الأحفوري، “أما الطاقة المائية والنووية فتحافظان على موقعيهما، وتنمو مصادر الطاقة المتجددة الأخرى بشكل كبير ، لكن تبقى نسبتها مهملة في مجموع إمدادات الطاقة، كما أن جل النمو في الطلب يحدث في البلدان غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. فإذا طبقت الحكومات السياسات الأساسية لمعالجة مخاوفها المتعلقة بالطاقة والبيئة، وإذا استثمرت كل الصناعات المنتشرة على طول سلسلة قيمة الطاقة كما لو كانت تلك السياسات سارية المفعول، ينبغي أن تتسارع وتائر تحسن كفاءة الطاقة، وأن ينخفض استخدام الوقود الأحفوري وتزداد حصة الطاقة المتجددة زيادة كبيرة”. لكنه استدرك مؤكدًا أن الأدلة المقنعة بأن هذه التغيرات تحدث على نطاق واسع ليست بكثيرة.

زيادة ضاهت الخسارة

واشار سكينر إلى أن قدرة الطاقة المتجددة تنمو بشكل كبير، “لكن القدرة ليست هي الإمداد. فمع أن التوليد من مصادر الطاقة المتجددة غير المائية تضاعف في غضون خمس سنوات بزيادة تقارب 18 بالمئة سنويًا منذ العام 2009، فإن الزيادة التي حصلت في العام 2011 عالميًا ضاهت الخسارة الإجمالية الناجمة عن إغلاق المحطات النووية في اليابان بعد حادث فوكوشيما”.

واضاف سكينر أن اتجاهات الاستثمار في جميع حلقات سلسلة قيمة الطاقة تعكس تقييم شركات الطاقة ومستهلكيها الجماعي للمخاطر والمكافآت التي يحملها مستقبل غير مؤكد.

وقال: “من تسجيل براءات الاختراع، ونفقات الحكومة والصناعة على البحث والتطوير، واستثمار القدرات على امتداد سلسلة إمداد الطاقة، وعمليات الاندماج والاستحواذ، إلى قرارات المستهلك الشرائية بخصوص المعدات ذات الاستخدام الكثيف للطاقة… كلها اتجاهات في السلوك الاستثماري الكلي تعكس رأيًا جماعيًا بالدرجة التي يمكن للسياسات الحكومية أن تحد بها من خيارات الوقود”.

تكنولوجيا أزالت الحواجز

في الجلسة الثانية للمؤتمر، تحدث الدكتور إردال أوزكان، أستاذ هندسة البترول، مدير مشارك في مركز ماراثون للتميز في دراسات المكامن، في كلية كولورادو للمعادن بالولايات المتحدة الأمريكية، قارئًا ورقته البحثية بعنوان “تأثير الابتكارات التكنولوجية في صناعة النفط والغاز”.

قال أوزكان إن التطور الأهم في مجال الطاقة الأحفورية في العقود القليلة الماضية هو النجاح الاقتصادي المؤكد للإنتاج من مصادر صخرية شحيحة جدًا. وقد حصل انفتاح هذه الآفاق الجديدة في صناعة النفط والغاز الطبيعي نتيجة تقاطع الجهود الحثيثة الرامية لاستكشاف طبقات النفط والغاز غير التقليدية، وتطوير تكنولوجيات جديدة أزالت بعض الحواجز التقنية والاقتصادية التي كانت تعترض سبيل استغلال هذه الموارد.

واضاف أوزكان أن تضخيم النجاح التقني والاقتصادي لطبقات الموارد غير التقليدية يلقي بظلاله على أوجه قصورها العلمية والتكنولوجية، ويعرقل إجراء تقييم واقعي لحالها.

أول ترخيص في 31 عامًا

من جهته، قدم بيونج كو كيم، زميل بحوث أول قسم الهندسة النووية بجامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا والبحوث بدولة الإمارات، ورقة بعنوان “تكنولوجيا الطاقة النووية: تحقيق التوازن بين السلامة والكفاءة”، فقال إن الإمارات “حققت إنجازًا تاريخيًا مع بدء عمليات التشييد في موقع أول محطة للطاقة النووية في براكة بالمنطقة الغربية، في 17 تموز (يوليو) 2012، وذلك بصب أول خرسانة لتشكيل حصيرة قاعدة مفاعل الوحدة-1”.

وبيّن كو كيم أن مؤسسة الإمارات للطاقة النووية قد حصلت على رخصة التشييد من الهيئة الاتحادية للرقابة النووية، بعد 18 شهرًا من المراجعة الصارمة لضمان الامتثال للمعايير الدولية، وبذلك أصبحت دولة الإمارات أول دولة جديدة في 31 عامًا ترخص بناء محطة طاقة نووية بعد الصين في العام 1981.

معايير سلامة عالمية

اشار كو كيم إلى أن التقنية التي وقع عليها اختيار الإمارات تستند إلى سجل الأمان والأداء الناجحين لبرنامج الطاقة النووية الكوري. وأوضح أن تصميم محطة الطاقة النووية في براكة يستند إلى مفاهيم المفاعلات المتقدمة، وهي التي تعكس الدروس المستفادة من حادثة جزيرة “ثري مايل” في الولايات المتحدة من حيث تحسين معايير السلامة والأداء.

كما تم إدخال تحسينات على تصميم مفاعل براكة لتعزيز السلامة في حال حدوث كوارث طبيعية شديدة، كتلك التي شهدها مفاعل فوكوشيما الياباني في العام 2011، وفق ما هو منصوص عليه في تقرير تقويم الأمان الذي نشرته “الهيئة الاتحادية للرقابة النووية”.

ولفت كو كيم إلى أن تشييد البنية التحتية النووية يشهد تطورًا دائمًا من حيث السلامة والأمان النوويين، وضمانات منع انتشار الأسلحة النووية لتحقيق برامج طاقة نووية مسؤولة. كما تجرى مراجعات دولية لضمان الحصول على تقويم مستقل للوضع النووي وتعزيز الشفافية من خلال خدمة المراجعة التنظيمية المتكاملة، التي تقدمها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والمراجعة نصف السنوية التي يجريها المجلس الاستشاري الدولي.

وقال: “لعل أصعب عملية تستغرق وقتًا طويلًا في ما يتعلق بمشروع براكة تعليم المختصين الإماراتيين النوويين وتدريبهم، الأمر الذي يحدث في كثير من المؤسسات الأكاديمية المحلية حيث توفر بوليتكنك أبوظبي التعليم الجامعي لطاقم الموظفين العاملين في التشغيل والصيانة لمحطات الطاقة النووية، كما تقدم جامعة خليفة درجة الماجستير في الهندسة النووية”.

وتبذل دول الخليج أيضًا جهودًا حثيثة لتدريب المهنيين النوويين تنصب على إدماج مفاهيم السلامة، والأمان، وضمانات عدم الانتشار في بناء البنية التحتية النووية، وتتبلور هذه الجهود في جامعة خليفة ومختبر سانديا الوطني وجامعة تكساس.

الشمسية الأسرع تجددًا

في الجلسة ذاتها، تطرقت الدكتورة نوال خليفة الحوسني، مديرة إدارة الاستدامة بشركة مصدر، مديرة جائزة زايد لطاقة المستقبل بدولة الإمارات، إلى ماهية الجدوى من تقنيات الطاقة المتجددة. وقالت: “في العام 2011، بلغت الاستثمارات العالمية في القدرات الجديدة على إنتاج الطاقة المتجددة مستوى قياسيًا قدره 257 مليار دولار، إذ بلغت القدرات العالمية على إنتاج الطاقة المتجددة عدا الطاقة المائية 390 غيغاواط. وبالرغم من أن ما نسبته 60 بالمئة من هذه القدرات مستمد من طاقة الرياح، فإن الألواح الضوئية الشمسية هي التكنولوجيا المتجددة الأسرع نموًا، حيث يصل معدل نمو القدرة المركَّبة العالمية إلى نحو 44 بالمئة لكل عام في العقد الماضي”.

واضافت: “بما أن أشكال الطاقة المتجددة الحديثة عدا الطاقة المائية (أي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والوقود الحيوي وحرارة الأرض والكتلة الحيوية الحديثة) ما تزال تمثل أقل من 5 بالمئة من الاستهلاك النهائي العالمي من الطاقة، فإن استمرار الابتكار التكنولوجي والدعم التنظيمي أمر أساسي”.

المعلومات ناقصة

لفتت الحوسني إلى أن تكنولوجيات الطاقة المتجددة غير تنافسية من الناحية الاقتصادية، مقارنةً بالوقود الأحفوري. تقول: “بالرغم من أن هذا المنظور يشهد تغيرًا تدريجيًا في أجزاء كثيرة من العالم، فإن مناطق مثل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بطيئة في تبني رؤى إيجابية بشأن الطاقة المتجددة، لأن الطاقة المتجددة في المنطقة المذكورة مضطرة إلى منافسة موارد هيدروكربونية وفيرة، إلى جانب الدعم الممنوح لأسعار الطاقة. كما أن التصورات الإقليمية المرتبطة ارتباطا مباشرا بتلك العوامل تقوّض الحقيقة التي مفادها أن التقدم التكنولوجي والهبوط السريع في التكاليف من شأنهما أن يجعلا بعض أشكال الطاقة النظيفة مجدية اقتصاديًا في المنطقة”.

واشارت الحوسني إلى أن نقص المعلومات الموثوق بها بشأن التكاليف والمزايا النسبية لتكنولوجيات الطاقة المتجددة جعل من الصعب على الحكومات أن تتوصل إلى تقييم دقيق للكيفية التي يمكن بها تطبيق تكنولوجيات الطاقة المتجددة على ظروفها الخاصة. وبينت أن توفير هذه المعلومات يساعد الحكومات ومقرري السياسات والمستثمرين والمرافق على اتخاذ قرارات واعية بشأن الدور الذي يمكن للطاقة المتجددة أن تضطلع به في مزيج الطاقة لديها.

رابـط الخـبر

Share