الملتقى الأول للمفكرين العرب

  • 17 يناير 2016

استضاف مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، يومي الأحد والإثنين الماضيين، السابع عشر والثامن عشر من يناير 2016، أعمال “الملتقى الأول للمفكرين العرب”، وذلك في مقر المركز بالعاصمة أبوظبي، بمشاركة نخبة كبيرة من المفكرين العرب، على رأسهم سعادة الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام المركز، وعدد من رجال الدين الإسلامي والمسيحي، من بينهم معالي الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف المصري، رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، عضو مجمع البحوث الإسلامية، رئيس منتدى السماحة والوسطية في جمهورية مصر العربية؛ وسعادة الدكتور محمد مطر الكعبي، رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف في دولة الإمارات العربية المتحدة، وسماحة الشيخ عبداللطيف دريان، مفتي الجمهورية اللبنانية، والأب ميغيل أنخيل أيوسو غيسكو، سكرتير المجلس البابوي للحوار بين الأديان في الفاتيكان، إلى جانب نخبة من رجال الدين والمفكرين وشخصيات علمية وأكاديمية عربية وعالمية.

وقد أكد سعادة الدكتور جمال سند السويدي، في كلمته الترحيبيَّة، أهمية هذا الملتقى؛ كونه يتناول قضايا الإرهاب والتطرف، وسبل التصدي لها على الصُّعُد العربية والإسلامية والعالمية كافة، ودور الثقافة الصحيحة في ذلك، مع استشراف أبرز التحديات التي تواجه الأمَّتين العربية والإسلامية والعالم في هذا المجال، ووضع الحلول العملية للتعامل مع جميع تلك التحديات الهائلة. وذكر سعادته أن من أهم ما نحتاجُ إليه في وقتنا الراهن إقناع العقل، والرقيَّ بالمشاعر، وتنمية المواهب الإبداعية، وإشاعة روح التسامح، واحترام التعددية الفكرية، واحترام الآخر، وتصحيح المفاهيم الخطأ، خاصةً بين الشباب وصغار السن.

وتضمَّنت الجلسة الافتتاحية للملتقى نقاشاً مفتوحاً حول قضية دور الثقافة في مواجهة التطرف، وضرورة البحث عن استراتيجية فاعلة لمواجهة التطرُّف والفكر الذي يغذيه، والوصول إلى حلول منطقية عملية قابلة للتطبيق، وضرورة العمل على تحصين مجتمعاتنا العربية من مخاطر الفكر المتطرف؛ وذلك من خلال الوصول إلى أفكار جادَّة لتفويت الفرصة على قوى التطرف والإرهاب التي تحاول التأثير في المواطن العربي.

وناقشت الجلسة الفكرية الأولى للملتقى “أسباب التطرُّف وعلاجه”، وتحدث فيها سماحة الشيخ عبداللطيف دريان، مؤكداً أهمية كتاب “السراب” لسعادة الدكتور جمال سند السويدي، الذي بحث في موضوع التطرُّف، وتاريخ حركات الإسلام السياسي، وتطوُّرها، ووصف إمكانيات المعالجة وطرائقها. ونصح المفتي دريان بقراءة هذا الكتاب، فضلاً عن البحوث والمحاضرات والكتب التي أصدرها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية عن ظاهرة التطرُّف وتداعياتها واستراتيجيات مواجهتها. ثم تحدث سماحته عن جذور ظاهرة التطرف في الإسلام، التي تحولت إلى عنف باسم الدين، مشيراً إلى أن هناك تحولات فكرية كبيرة حول مفاهيم عدَّة في الإسلام، منها: الشرعية، والشريعة، والجهاد، والدولة. أما الأب ميغيل أنخيل أيوسو غيسكو، فقد أكد في كلمته أمام الجلسة الأولى أهمية الحوار بين الأديان، من أجل التصدِّي لأولئك الذين يشوِّهون صورة الدين.

وفي الجلسة الفكرية الثانية للملتقى تحدث سعادة الدكتور محمد مطر الكعبي، رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف في دولة الإمارات العربية المتحدة، عن دور الهيئة في توعية المجتمع وتنميته وفق تعاليم الإسلام السمحة، مشيراً إلى أن هناك أهدافاً استراتيجية عديدة للهيئة أبرزها الإسهام في تنمية الوعي الديني والثقافة الإسلامية، وغرس قيم الاعتدال والتسامح في المجتمع، وتأهيل الموارد البشرية، والاستثمار الأمثل للموارد لتطوير خدمات الهيئة والارتقاء بها نحو التميُّز، وغيرها. ومن ثم انتقل الحديث إلى المستشار سماحة السيد علي بن السيد عبدالرحمن آل هاشم، مستشار الشؤون القضائية والدينية في وزارة شؤون الرئاسة بدولة الإمارات العربية المتحدة، وقد تناول تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة الثرية والناجحة في ضبط الخطاب الدعوي.

وتناولت الجلسة الفكرية الثالثة أبرز التحديات التي تواجه الأمة العربية”، وكان أول المتحدثين فيها سعادة الدكتور أحمد عبادي، الأمين العام للرابطة المحمَّدية للعلماء في المملكة المغربية، الذي أشار إلى أن الطبيعة الجيواقتصادية والجيواستراتيجية والجيوإثنية للمنطقة العربية والإسلامية تفرز مقوِّمات لتأجيج نيران حروب مؤسَّسة على الدين، أو على الطائفية، أو القبَلية، في غياب امتلاك ما يلزم من مؤهلات وقدرات للتبيان والفهم والتحليل، مع ضعف النخب السياسية، وغموض برامجها أو عموميتها، وتفكُّك نظم التربية والإعلام، وارتفاع نسبة العاطلين عن العمل. وجاءت بعد ذلك كلمة الدكتور عبدالحميد الأنصاري؛ الذي أعرب عن شكره دولة الإمارات العربية المتحدة، وأشاد بنموذجها في التسامح والتعايش بين الثقافات والديانات المختلفة. وذكر أن التحديات التي تواجهنا في العالم العربي هي تعزيز قيم المواطنة، وتحصين الشباب العربي ضد التطرُّف والإرهاب، وتعزيز مفهوم التسامح ومفهوم الحوار.

ثم انتقلت فعَّاليات الملتقى إلى الجلسة الختامية، التي افتتحها بالحديث معالي الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف المصري، الذي دعا إلى عدم الانكفاء على الذات، والانفتاح على المنتديات العالمية لإيصال رسالة الإسلام السمحة إلى الغرب. وبعد ذلك تحدث سعادة الدكتور حمدان مسلم المزروعي، رئيس مجلس إدارة هيئة الهلال الأحمر الإماراتي، ودعا إلى إعلاء القيم الإنسانية، وأشار إلى دور العمل الخيري في إبراز الصورة الإيجابية عن الإسلام والمسلمين.

وفي نهاية فعاليات “المؤتمر الأول للمفكرين العرب” ثمَّن المجتمعون الجهود الكبيرة لدولة الإمارات العربية المتحدة، قيادة حكيمة، وشعباً كريماً؛ لاحتضانها فعاليات هذا الملتقى، وإطلاقها، ولوقوفها الدائم إلى جانب كل ما يخدم ديننا، وأمتنا، وقضايا الإنسانية عامة، وقد أثمرت مداولات العلماء والمفكرين المشاركين في الملتقى توصيات كثيرة أهمها: وجوب بلورة مناهج وبرامج مشتركة لبناء القدرات، يتم بمقتضاها تأهيل القيِّمين على الشأن الديني في مختلف دول العالم، وتمكينهم من الاضطلاع الناجع بأدوارهم المنوطة بهم في مجال مكافحة التطرف، تفكيكاً لخطابه، ونقضاً لمقولاته، وتفنيداً لدعَاواه، وإنتاجاً لخطاب أصيل ونافع وبديل وجذاب. ووجوب إطلاق مبادرات للتعريف بصحيح الدين الإسلامي، ونفي أشكال التديُّن الدخيلة من خلال: إتاحة المضامين الوسطِية الأصيلة المنطلقة من الرؤية الكليَّة للدين الإسلامي. ونقض المقولات التي يروِّجها المتطرفون في وسائل ومواقع التواصل الاجتماعي كافة، وبيان أوجه الصواب ذات الصلة. وكذلك تضمنت التوصيات ضرورة العناية بالطفولة والنشء، والاستثمار في هذه الفئة التي تُعَدُّ أمل الأمة. وقد أشاد العلماء والمفكرون الحاضرون بالجهود المحمودة التي تقوم بها دولة الإمارات العربية المتحدة في هذا الصدد، ودعوا إلى تقاسمها وتعميمها بين سائر دول المنطقة والعالم. وضرورة تقوية المؤسسات الدينية في البلدان الإسلامية، وتعزيز قدرات العاملين فيها، وضرورة الاهتمام بالتعليم، ولاسيَّما في المراحل الأولى.

وفي ختام أعمال الملتقى وجَّه سعادة الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجيَّة، أسمى آيات الشكر والتقدير إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، رئيس مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجيَّة -حفظه الله- لدعمه المتواصل أنشطةَ المركز منذ إنشائه؛ وإلى المشاركين في الملتقى، من رجال دين وعلماء ومفكرين وأكاديميين، الذين قدَّموا عصارة أفكارهم، وألقَوا الضوء على الواقع الحاليِّ الذي تعيشُه المجتمعات العربية والإسلامية، وكل المجتمعات في العالم، في ظل تنامي مظاهر الإرهاب والتطرُّف، التي باتت بمنزلة الآفة التي تهدِّدُ استقرار العالم كلِّه.

Share