المجتمع المدني… شرط للإصلاح السياسي

  • 28 يناير 2011

يواجه العالم العربي معضلات في ميادين التنمية الاقتصادية والبشرية، وأزمات أمن واستقرار، كما تواجه معظم نظمه السياسية حراكاً وضغوطاً لدفعها إلى القيام بالتحديث والإصلاح على مستوى أدائها السياسي والمؤسساتي، وفي إطار علاقاتها بمجتمعاتها”. بهذه العبارة يستهل الدكتور ثامر كامل كتابه “المجتمع المدني والتنمية السياسية”، كما لو أنه يعقب تحديداً على التطورات الجارية في أكثر من بلد عربي حالياً، والتي كشفت كلها عمق الحاجة في هذه البلدان إلى إجراءات إصلاحية، فورية وشاملة، لتلافي مصائر كان يمكن تجنبها من خلال تطوير “المجتمع المدني والتنمية السياسية” خلال السنين والعقود الماضية.

ويتكون الكتاب الذي نعرضه هنا، وهو بالأساس دراسة في الإصلاح والتحديث في العالم العربي، من ستة فصول ومقدمة وخاتمة، تتناول إشكاليات التعامل النظري والإجرائي مع المجتمع المدني، وماهيته وسماته، وتطور العلاقة بين النظام السياسي والمجتمع المدني في العالم العربي. كما تتطرق لبناء مؤسسات المجتمع المدني، والعوامل المؤثرة في مأسسته، والمؤسسات التقليدية والحديثة في العالم العربي. وفضلاً عن التركيز على آليات تنمية المجتمع المدني وتفعيله، فالدراسة تسلط الضوء كذلك على ميكانيزمات التحديث والتنمية السياسية في العالم العربي، كما تتناول -أخيراً- ديناميات وأبعاد المشاهد المستقبلية للمجتمع المدني والتنمية السياسية في العالم العربي.

والحقيقة أن الكتاب يمثل رأياً تحليلياً حول تنامي مطالب الإصلاح والتحديث في العالم العربي خلال العقد المنصرم، إذ يرى أن إحداث التنمية السياسية، وإعمار المجتمع المدني، وبناء علاقة تفاعلية سليمة بينه وبين المجتمع السياسي أو الدولة… تمثل مداخل لإصلاح الدولة العربية وتحديثها. فلا تناقض إذن بين الدولة والمجتمع المدني في البيئة الاجتماعية العربية. ورغم ضرورة تمتع مؤسسات المجتمع المدني باستقلالية نسبية عن النظام السياسي، فإن الدولة أو النظام السياسي لازمان لاستقرار المجتمع المدني وتفعيل دوره وأداء وظائفه. وقد اتضح أن التنمية السياسية في العالم العربي تعني ببساطة قدرة النظم السياسية العربية على النمو، أي عندما تكون قادرة على استيعاب المتغيرات والتكيف مع التحولات الاجتماعية، حيث تجد المؤسسات الحديثة للمجتمع المدني فضاءً يؤمن جواً طبيعياً لنموها وتطورها واستثمار طاقاتها وثقة جمهورها وبيئتها الاجتماعية بمقاصدها. فقيام هذه المؤسسات بدورها يقتضي إذن توافر العقلانية، والاندماج، والتكامل الوطني، والمأسسة، والتعبئة، والمشاركة. وهنا يؤكد المؤلف أن التنمية السياسية هي جزء من التنمية الشاملة، أي العملية التي يحدث بمقتضاها تغير في القيم والاتجاهات السياسية، والنظم والهياكل، كما تتعزز ثقافة سياسية جديدة تؤدي إلى مزيد من التكامل في النسق السياسي. لذا ينبغي أن تتم تنمية المجتمع المدني العربي وتفعيله طبقاً لعملية إصلاحية تدرجية، أي عبر إصلاحات سلمية تستهدف تحسين طرق الحكم وأساليب الإدارة وترشيد عملية صنع القرار، وإقامة التوازن النسبي بين الدولة والمجتمع.

وفي إطار تحليل تشخيصي للتكوينات والمؤسسات الفاعلة في العالم العربي، يوضح الكتاب ازدواجية تتمثل في تآكل البنى التقليدية، أو تراجعها دون زوالها تماماً، بالتزامن مع بروز بنى حديثة من دون أن تكتمل، وهو الأمر الذي يعتبره المؤلف باعثاً لحالة من التداخل المفضية إلى بعض مظاهر التوتر وعدم الاستقرار. هذا مع العلم أن البنية الاجتماعية العربية لا تزال في طور الانتقال من مرحلة تقليدية إلى مرحلة أكثر تطوراً تعتمد على معيار الإنجاز كأساس للتنظيم الاجتماعي. وإضافة إلى ذلك يعتقد المؤلف أن جوهر عملية التنمية السياسية والإصلاح في العالم العربي، تقتضي سياسة وبرنامجاً وطنيين قوامهما تعميم مبدأ السلطة القانونية، وتعزيز مبدأ احترام السلطة القضائية التي لا تخضع إلا للقانون.

لقد حلل الكتاب ثلاثة مستويات لدرجة الاستجابة للإصلاح والتحديث في العالم العربي، وذلك باختبار ثلاثة مشاهد للعلاقة بين الدولة والمجتمع المدني: مشهد تَعطُّل الإصلاح والتحديث (أي استمرار هيمنة الدولة على المجتمع المدني)، ومشهد احتواء الإصلاح والتحديث (أي منح دور محدود للمجتمع المدني)، وأخيراً مشهد الانفتاح أمام ضرورات الإصلاح والتحديث (أي التوازن بين الدولة والمجتمع المدني). ويتضح من ذلك التحليل أن الدول العربية لا تتشابه نظمها السياسية من حيث طبيعة علاقتها بالمجتمع المدني في بيئاتها الاجتماعية، وكذلك من حيث درجة استجابتها للإصلاح والتحديث. وعليه فمن الواضح أن وجود منظمات المجتمع المدني، وتنميتها وجعلها فاعلة ومؤثرة اجتماعياً وسياسياً… يتطلب آليات لابد من توافرها. بمعنى أن بروز دعوات التنمية السياسية والإصلاح قد حفز مدركات الرغبة في التحديث والمطالبة بإعادة النظر في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وإرساء قواعد جديدة للعلاقة، وعقد جديد يفعّل دور القانون ويبرز البعد الدستوري في نظم الحكم لصالح تحسين أدائها وتنمية دور المجتمع المدني وتفعيله. فذلك هو الخيار الذي يبدو أنْ لا مناص منه في ظل التطورات الحالية وأشكال الوعي المستجدة داخل أوساط الرأي العام العربي بتكويناته ومشاربه وأطيافه… على اختلافها.

Share