الكساد العظيم.. رد الاعتبار للدور الاقتصادي لمفهوم الدولة

  • 4 أكتوبر 2016

بقلم: د. جمال سند السويدي

«الكساد العظيم»، مصطلح يطلق على أزمة اقتصادية عالمية لم يكن للعالم، حين انطلاق شراراتها عام 1929، سابق عهد بمثلها، سواء من حيث الطبيعة أو الحجم أو سرعة الانتشار أو التداعيات والنتائج التي ترتبت عليها. وقد كانت أسواق المال في الولايات المتحدة الأميركية أولى ضحايا هذه الأزمة، حيث انهارت «بورصة نيويورك» في الـ24 من شهر أكتوبر من ذلك العام، وأطلق على ذلك اليوم حينذاك «الخميس الأسود». وخلال فترة لا تتجاوز الأسابيع الثلاثة، خسرت أسواق المال الأميركية ما يفوق الموازنة الأميركية الاتحادية 10 مرات في حينه، وبما يتجاوز مجمل النفقات الأميركية في أثناء الحرب العالمية الأولى.

وما لبثت عدوى هذه الأزمة أن انتشرت وعمت معظم دول العالم، فتسببت في تدهور معدلات النمو الاقتصادي، وأعلنت آلاف المؤسسات إفلاسها، وأُغلق العديد من المصانع بعد توقف الإنتاج فيها، وانتشرت مظاهر البطالة، ليعرف العالم في حينها أعمق تدهور اقتصادي في التاريخ الحديث، استمرت مظاهره مُطبِقة على الاقتصاد العالمي طوال عقد الثلاثينيات حتى بدايات عقد الأربعينيات من القرن الماضي.

ونتيجة لعمق الأزمة في مضمونها الاقتصادي، فإن آثارها اتسعت لتشمل الجوانب الأخرى غير الاقتصاد، فعلى سبيل المثال، أسهمت هذه الأزمة في فوز فرانكلين روزفلت في الانتخابات الرئاسية الأميركية في عام 1933، حيث بقي في منصبه 12 عاماً، وهي الفترة الأطول التي يقضيها أي رئيس أميركي في الحكم (فاز في الانتخابات أربع مرات، قبل أن يقصر الدستور في عام 1951 البقاء في الرئاسة فترتين فقط، لكنه فارق الحياة بعد أقل من ثلاثة أشهر من توليه الرئاسة للمرة الرابعة في عام 1944). فقد رشح الحزب الديمقراطي روزفلت للرئاسة عام 1932 في وقت كانت تعيش فيه البلاد أسوأ أزمة اقتصادية، حيث ركز حملته الانتخابية على الجانب الاقتصادي ووعد بمحاربة الكساد، وبمنح مساعدات عاجلة للعاطلين، واستصدر -خلال شغله منصبه الرئاسي- قوانين لتحقيق الاستقرار في الاقتصاد الزراعي، والإصلاح الصناعي، وأنشأ مؤسسات رعاية اجتماعية للمدنيين، وظّف من خلالها أكثر من 3 ملايين شاب من أبناء الأسر الفقيرة. وبرغم أنه لا يمكن إغفال دوره المهم في هزيمة النازية خلال الحرب العالمية الثانية، فإن نجاحه في مواجهة أزمة «الكساد العظيم» كان من أهم الأسباب التي أدت إلى بقائه في منصبه أطول فترة يقضيها أي رئيس أميركي في منصبه، وهو ما يُضرب مثلاً لكيفية إسهام هذه الأزمة في تغيير وجه العالم وتاريخه. إضافة إلى ذلك، فقد أسهمت هذه الأزمة في تنمية روح العنصرية بين السود والبيض داخل الولايات المتحدة الأميركية، نتيجة لتصارعهم على الوظائف القليلة، وأدت إلى انضمام الكثيرين، خاصة الشباب، إلى الحركات اليسارية التي وعدت بحل مشكلة البطالة، ومعالجة الأسباب التي أدت إلى حدوث الأزمة.

وعلى مستوى تاريخ الفكر الاقتصادي، يُنظر إلى الكساد العظيم على أنه إحدى أهم المحطات في مسيرة تطور هذا الفكر، بل إن هذا الحدث كان له مفعول الزلزال في هذا الإطار، حيث كان دافعاً لظهور أفكار اقتصادية مغايرة تماماً لما كان سائداً من قبل، خاصة في الجوانب المتعلقة بدور الدولة في الاقتصاد، وسياسات الاقتصاد الكلي. إذ كان «الكساد العظيم» إيذاناً بظهور المفكر الاقتصادي «جون ماينرد كينز»، وأفكاره غير التقليدية في عصره، تلك الأفكار التي أطلق عليها الاقتصاديون فيما بعد مصطلح «النظرية الكينزية». فقد تبنى «كينز» فكراً اقتصادياً ذا وجه اشتراكي، إذ دعا إلى زيادة دور الدولة في الاقتصاد وتدخلها من أجل تحقيق التوازن بين العرض والطلب، وتحقيق التشغيل الكامل، وسيطرة الدولة على الاستثمار والإجراءات المالية. وهو ما كان منافياً تماماً للأفكار والنظريات الاقتصادية الكلاسيكية التي كانت سائدة آنذاك، والتي كانت ترى أن آليات السوق قادرة على تحقيق التوظيف الكامل وتصحيح أي اختلالات اقتصادية مؤقتة بصفة تلقائية من دون تدخل الدولة عبر أي آليات تحكّمية.

وبسبب نجاح السياسات التي طرحها «كينز» في إخراج العديد من الاقتصادات من دائرة الكساد، ودورها المؤثر في بروز الاتحاد السوفييتي (السابق) كقوة اقتصادية كبيرة، فقد بدأ الدور الاقتصادي للدولة في التوسع، وبدأت الدولة تتبنى العديد من السياسات الاقتصادية التي يمكنها من خلالها التحكم في إدارة جانب الطلب الكلي في الاقتصاد، والتحكم في مستويات التوظيف، وأصبح للدولة دور مهم في معالجة الاختلالات التي قد تنجم عن تطبيق آليات السوق الحرة، وكذلك إعادة توزيع الدخول والموارد، بما يسهم في تعزيز المساواة والعدالة الاجتماعية في المجتمع.

وظلت أفكار «كينز» تلاقي نجاحاً عالمياً كبيراً، وتنال رضا المفكرين الاقتصاديين حتى نهاية عقد الخمسينيات وبداية عقد الستينيات من القرن العشرين، حينما بدأت الأفكار الداعية إلى تقليص دور الدولة في الاقتصاد في الظهور من جديد، مع بروز تيار من المفكرين الاقتصاديين يطلق عليهم اسم «النيوكلاسيكيون» الذين رفضوا تدخل الدولة في الاقتصاد، بدعوى أن هذا التدخل يؤدي إلى سوء استخدام الموارد.

لكن هذا لم يَعنِ انتهاء أفكار «كينز»، بل ظل هناك مدافعون عنها ومنادون بتعزيز دور الدولة في الاقتصاد، وانضوى هؤلاء في تيار جديد للفكر الاقتصادي يسمى «النيوكينزيون»، أو «الكينزيون الجدد». ولا تزال أفكار «كينز» وأتباعه من المفكرين الاقتصاديين باقية، حيث تزايدت الدعوات للعودة إلى تطبيقها مع اندلاع الأزمة المالية العالمية في عامي 2007 و2008، وفيما بعدها، التي أرجعها البعض إلى التراجع الكبير لدور الدولة في المجال الاقتصادي. بل إن العودة فعلاً إلى تبنّي الأفكار «الكينزية»، والقيام بتعزيز دور الدولة في الاقتصاد، هما اللذان ساعدا الاقتصاد الأميركي على الخروج من أسوأ مراحل هذه الأزمة، فوجدنا الحكومة الأميركية تتدخل بشتى السبل في الاقتصاد وتشتري أصول ومؤسسات كبرى، وتضخ الأموال في الأسواق وتستثمر بشكل صريح في الاقتصاد، من أجل ضبط العلاقة بين الطلب والعرض الكلي في الاقتصاد، في تطبيق صريح لأفكار «الكينزية»، وليدة «الكساد العظيم»، وهو ما يؤكد أن هذا الحدث كان حدثاً محورياً في تاريخ الفكر الاقتصادي، قدم دروساً مهمة تمت الاستفادة منها في إدارة الأزمات التي عاناها العالم بعد ذلك.

إن القضية الأهم التي أثارتها أزمة «الكساد العظيم» وما زالت مستمرة من دون حسم حتى الآن، هي موقع الدولة في الاقتصاد وحدود دورها فيه، فقد أدى تصاعد دور الدولة في المجال الاقتصادي بعد الأزمة إلى استقرار في الاقتصاد العالمي، وتراجع في وتيرة وَحِدَّة الأزمات فيه، لكن العودة التدريجية بعد ذلك إلى إبعاد الدولة عن الاقتصاد لمصلحة السيطرة المطلقة لآليات السوق، كانت مقدمة للعودة مرة أخرى إلى دائرة الأزمات الاقتصادية العالمية، وصولاً إلى الأزمة المالية في عام 2008 التي أعادت الاعتبار للدور الاقتصادي للدولة من جديد. وفي ضوء ما سبق، فإن المعادلة التي من المهم أن يعمل العالم على إيجاد حل دائم لها هي: اعتبار الدولة طرفاً أساسياً في الاقتصاد من دون أن يؤثر ذلك في إعمال آليات السوق، وذلك من خلال شراكة فاعلة بين الجانبين، فلا الدولة وحدها قادرة على تحقيق نهضة اقتصادية حقيقية، ولا آليات السوق وحدها تستطيع أن تخلق نظاماً اقتصادياً عادلاً ومستقراً، وتصل ثمار التنمية فيه إلى الجميع.

http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=91351

Share