العولمة وآفاق العصر الأميركي

  • 15 أبريل 2014

بقلم: د. عبدالحق عزوزي

قدم الدكتور جمال سند السويدي قبيل أيام كتابه الأخير «آفاق العصر الأميركي: السيادة والنفوذ في النظام العالمي الجديد» بمدينة فاس الغراء بمشاركة صفوة من المفكرين والمثقفين ورجالات الدولة والجامعيين والطلبة في حفل فكري بهيج وبتنظيم مشترك بين مؤسسة فاس سايس وجامعة سيدي محمد بن عبدالله والجامعة الأورومتوسطية، وأشاد جل المتدخلين بالسبق الفكري والعلمي الذي يحظى به الكتاب وبصاحبه‏ الذي لا تخفى مكانته الطليعية بين أقرانه من العلماء والباحثين والأكاديميين المرموقين، ليس على مستوى الإمارات والخليج فحسب، ولكن على صعيد العالم العربي والإسلامي والدولي. ومن فاتحة الكتاب المتضمنة شكر المؤلف لمن ساعده على إنجاز المصنف الواقع في 858 صفحة تجد كل التطمينات المشجعة على مرافقة الدكتور جمال سند السويدي في رحلة علمية شيقة عبر مسالك معرفية واعدة بالفائدة. فالرجل يشكر المحررين والمدققين وأخصائيي المعلومات والمراجعين ممن ساعدوا في توفير المادة العلمية واهتموا بالمتن لغوياً.

وكل هذا يشعرك بأنك أمام عمل جدي تطلب مساهمات متعددة من مختصين كل في جانب. ولا يكتفي بذلك بل إنه بتواضع العلماء يشكر الزملاء الذين قاموا بإبداء ملاحظات ووجهات نظر حول النص، مصرحاً بلا تعقيد بأنه استفاد من تلك الملاحظات.
ومثل هذا كما يقول زميلنا الوزير محمد العربي المساري تجده في نصوص علمية لأميركيين كانت تطرح مترجمة إلى العربية مما كانت المكتبة الأنجلو مصرية تزفه إلى قراء العربية في الخمسينيات. والكتاب لا يتميز بضخامة حجمه فقط بل بما يعكسه من حرص صاحبه على احترام القارئ.

وصاحب الكتاب يدعونا إلى أن نتأمل العولمة كجزء من ظاهرة تجبر كل العالم على أن يتقبلها ويتكيف معها كل بوسائله. وقد قرن الظاهرة بما أصبحت أميركا تمثله كفاعل رئيسي في السياسة العالمية، وذلك من خلال دورها في بلورة النظام العالمي الجديد، وهو مصطلح لا يتردد دائماً على الألسن بمدلول قابل للصرف في كل العملات. ولم يتردد المؤلف في أن يعتبر أن من أسماء العولمة «العصر الأميركي». وليس هذا بمبالغة فإن الجزء الأكبر من القرن العشرين كان مصبوغاً بالألوان الأميركية، ثقافياً واقتصادياً وفلسفياً.

ويستعرض المؤلف معالم الدور المحرك الذي قامت به الولايات المتحدة في تطوير الآلة الاقتصادية العالمية التي نعلم أنه منذ برنامج مارشال لإنعاش الاقتصادات الأوروبية الغربية لم تنقطع الدول الأوروبية تنتظر الإسعاف الأميركي.

وقد قدم السويدي ملامح العولمة كما طرحت في النصوص الأساسية ومنها نصوص الأكاديميين فوكوياما وهنتينغتون والصحفي توماس فريدمان، على نحو يمكننا من تفهم تلك النصوص من داخل منطقها. وهذا هو الذي كان جديراً بالعرب أن يقوموا به.

وهو ينقل عن غورباشوف مثلاً قوله عن النظام العالمي الجديد إنه نظرية تقوم على أساس وجود علاقات دولية طبيعية وعادلة في ظل توازن المصالح وليس توازن القوى بالاستناد إلى التدويل الواسع، أي أن يكون هناك نظام مالي عالمي، وإعلام وثقافة وتعليم وفق رؤية عالمية. وفي هذا السياق فإن من يبقى في المؤخرة ليس محكوماً عليه بذلك من أحد. وها هي أمثلة كوريا الجنوبية طبعاً وألمانيا واليابان والصين منذ بعض الوقت.

وحينما يعمد المؤلف إلى تلخيص مقولات فريدمان المعبر عنها دائماً بعبارات رشيقة وموحية، يذكر بما أورده الصحفي الأميركي في كتابه «العالم المسطح» عن اتساع العولمة منذ سنة 2000 بسرعة فاقت كل التوقعات. وفي ذلك الكتاب صنف فريدمان الدول والمجموعات بأحياء المدن التي توجد فيما بينها فوارق تدل في الأساس على تعددية تؤدي إلى حتمية التواصل والاحتكاك بين مكونات المجتمع البشري.

وفي الأخير فإن هناك عبرة جوهرية يدعو الكاتب إلى التمعن فيها، وهي أن الدول العربية تجتاز أوضاعاً صعبة منذ أن بدأ توالي سقوط أنظمة كانت تعتبر قوية في المنطقة وتركت فراغاً ستملؤه «الفوضى الخلاقة».

ويوضح المؤلف أن من الصعب التنبؤ بأنه في المدى المنظور يمكن بروز وضع أفضل في الخريطة العربية. ولاسيما في ظل تفاقم الأزمات الداخلية المتعددة المشارب. وليست ثمة وصفة محددة كفيلة بخروج آمن من الوضع الراهن، وتلافي مزيد من التردي. ويؤكد شيئاً أساسياً هو أن العولمة ما زالت في عنفوان مدها، ومن التجليات الواضحة لهذا العنفوان استشراء مفعول وسائل التواصل الاجتماعي. أي أن الوضع الحالي لن يكون الرابح فيه دولة بعينها أو مجموعة من الدول، بل هي القوى التي تسلحها تقنيات التواصل بمقومات تعتبر أكثر نجاعة من الأسلحة التقليدية للدمار.

ومن جهة أخرى فإن تسارع نمو قدرة تلك التقنيات يتفوق على قدرة المؤسسات وطرق عملها على اكتساب القوة وبالأحرى اكتساب المناعة للنجاة من السقوط. وفي هذا السياق فإن مفاهيم مثل السيادة والمواطنة والنفوذ القومي أو ما فوق القومي هي قيد المراجعة.

في سنة 1988 كانت أكاديمية المملكة المغربية قد خصصت إحدى دوراتها لمناقشة تمس جوانب مما نحن فيه الآن مع هذا الكتاب، إذ كان النقاش حول موضوع «خصاصة في الجنوب، حيرة في الشمال». كان ذلك في وقت انشغل فيه المجتمع الدولي بالثورة التكنولوجية وظهور نظرية شاذة تدعو إلى تقنين الحق في التدخل الخارجي لضبط الأوضاع في مجتمعات تسمى اليوم بالدول الفاشلة. ويمكن القول اليوم إن الشمال المتخم بالوفرة والجنوب المتخبط في الخصاصة، يتساويان في التعرض لانعكاسات المخاض الذي تجتازه المجتمعات البشرية في الوقت الراهن إثر العجز عن الاستعداد بما يكفي من الوقت، وبما يتلاءم مع وتيرة عمل المؤسسات. وهذه في نهاية الأمر معالم العولمة بلا وصف، فلا هي أميركية ولا صينية ولا أوروبية.

رابط المقال

Share