العلاقات السعودية – المصرية أكبر من محاولات الوقيعة

  • 2 نوفمبر 2016

بقلم: د. جمال سند السويدي

لا يختلف اثنان في العالم العربي على أن المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية هما الركنان الأساسيان في منظومة الأمن القومي العربي، وحجر الأساس في أي عمل عربي مشترك فاعل وقادر على صيانة المصالح العربية العليا وتحصين منطقتنا ضد كل محاولات التدخل في شؤونها الداخلية أو النيل من مكتسبات شعوبها… كانتا كذلك في الماضي، وهما كذلك الآن وستظلان في المستقبل. ولا يختلف اثنان أيضاً على أن العالم العربي يحتاج حالياً، ربما أكثر من أي وقت مضى، إلى أن تكون الرياض والقاهرة معاً في مواجهة التحديات الصعبة والمصيرية التي تعيشها منطقتنا على مستويات مختلفة، وتضعها أمام مفترق طرق خطير سوف يؤثر في أمنها ومصالحها لسنوات طويلة قادمة. ولذلك يسعى أعداء الأمة العربية في الداخل والخارج، للنيل من علاقة البلدين والنفخ في نار أي خلاف بينهما مهما كان بسيطاً وتصويره على أنه أزمة خطيرة وشقاق كبير، وهذا هو الذي جرى ويجري منذ تصويت مصر لمصلحة مشروعي قراري فرنسا وروسيا حول سوريا في مجلس الأمن الدولي، والعتب السعودي الأخوي على هذا الموقف، حيث انبرى المغرضون والمرتزقة وأصحاب المصالح الخاصة للتضخيم من التباين في وجهات النظر بين السعودية ومصر واختلاق القصص والأخبار وبث الشائعات من أجل توسيع الفجوة وزيادة الاحتقان بين البلدين الشقيقين، استمراراً لمحاولات لم تتوقف خلال الفترة الماضية لتصيد أي كلمة أو تصريح أو حتى عبارة في برنامج تلفزيوني أو مواقع التواصل الاجتماعي لتأويلها واستنطاقها بما ليس فيها وتوجيهها لخدمة الهدف الأكبر، وهو زعزعة الكتلة العربية الصلبة التي تشكلت بعد 2013، وأهم أركانها مصر والسعودية، وهي الكتلة التي أفشلت كل المؤامرات الخطيرة التي استهدفت المنطقة وشعوبها متدثرة بشعارات برّاقة ودعاوى خادعة.

يؤكد التاريخ أن العالم العربي يكون قادراً على مواجهة الأخطار التي تحيط به والتصدي للتحديات التي تواجهه حينما تكون العلاقات المصرية – السعودية بشكل خاص، والمصرية – الخليجية بشكل عام، قوية ومتناغمة، حدث ذلك في حرب أكتوبر عام 1973، وفي حرب تحرير دولة الكويت في عام 1991، وفي التصدي لمخططات الفوضى التي تسترت وراء ما سمي «الربيع العربي» بعد عام 2011، وفي عاصفة الحزم التي تُعدُّ من أكثر القرارات العربية أهمية وحسماً في مواجهة مهددات الأمن القومي العربي. ولذلك فإن العلاقات بين مصر والسعودية ليست شأناً سعودياً – مصرياً فقط وإنما هي شأن عربي عام، وكل عربي مخلص يعرف قيمة وأهمية العلاقات بين هذين القطبين العربيين الكبيرين يدرك أن كل من يسعى فيها بسوء هو عدو للعرب وحتماً لا يريد لهم الخير. إن كل من يريد زعزعة الأمن القومي العربي والنيل من استقرار المنطقة يوجه سهامه أول ما يوجهها إلى العلاقات المصرية – السعودية، ولا يحتاج أي مراقب أو باحث مدقق الكثير من الجهد للتعرف على الأهداف الحقيقية لمحاولات ضرب العلاقة بين البلدين في هذا التوقيت بالذات، وهوية الجهات والأطراف والقوى التي تقف وراء هذه المحاولات.

يعيش العالم العربي مرحلة من أخطر وأحرج المراحل التي مر بها عبر تاريخه، مرحلة يخوض فيها معركة وجود ومصير، بحيث يمكن القول إن المواقف والقرارات والسياسات والخيارات العربية خلال هذه المرحلة سوف تحدد مستقبل العرب وموقعهم على خريطة العالم لعقود طويلة قادمة، ولذلك تأتي محاولات النيل من العلاقات المصرية – السعودية لإبعاد مصر ليس فقط عن السعودية وإنما عن الخليج العربي وإبعاد الخليج العربي عن مصر حتى يمكن للمؤامرات والمخططات الداخلية والخارجية التي تحاك ضد المنطقة العربية أن تجد طريقها نحو التنفيذ، وهي مؤامرات يخطئ من يظن أنه بعيد عنها أو أنها تستهدف دولة عربية دون أخرى لأنها توجه سهامها إلى الجميع من دون استثناء، وتسير في مراحل متدرجة يؤدي بعضها إلى بعض وتخدم كل مرحلة المرحلة التي تليها.

إن مصر والسعودية، جناحا العالم العربي، لا يملكان ترفَ الخلاف والشقاق في هذه المرحلة الفاصلة في التاريخ العربي؛ لأن أصحاب نظريات الفوضى والتقسيم والتفجير الطائفي والديني، لم يتخلوا عن أهدافهم ومخططاتهم وينتظرون الفرصة المناسبة للانقضاض ويتحينون الظروف المواتية لإطلاق أتباعهم وعملائهم في منطقتنا، وهم كثر للأسف، لصب الزيت على النار وإذكاء الخلافات وتسميم العلاقات بين الأنظمة والشعوب، لأن هذا هو طريقهم للانتقام من الذين تصدوا لمؤامراتهم ووقفوا بشجاعة ضد مخططاتهم بعد عام 2011 وفي مقدمتهم مصر والسعودية، فهؤلاء يدركون أن القاهرة والرياض هما عموداً الخيمة العربية الكبيرة التي يتم التخطيط منذ سنوات طويلة لهدمها وإعادة بنائها من جديد بما يخدم مصالحهم في إعادة رسم خرائط العالم العربي وفق الخطوط المذهبية والعرقية والدينية.

«الإخوان المسلمون» ومؤيدوهم والمتعاطفون معهم، وأصحاب المشروعات الطائفية المقيتة يحاولون الآن بكل قوة وإصرار استغلال الخلاف المصري – السعودي لصالحهم؛ لأنهم وجدوا فيه ضالتهم لتصفية حساباتهم مع البلدين عبر ممارساتهم المعروفة للجميع في الخداع والتلون وتبديل المواقف والتوجهات. فالإخوان المسلمون الذين كانوا يهاجمون السعودية بشراسة لوقوفها إلى جانب مصر في معركتها ضد إرهابهم ومخططاتهم الشريرة ودعمها المطلق للرئيس عبدالفتاح السيسي، هم الذين يحاولون الآن أن يقدموا أنفسهم كطرف داعم للسعودية في مواجهة إيران، والذين يذرفون دموع التماسيح على الإجماع العربي الذي يدّعون أن مصر قد اخترقته بموقفها من الأزمة السورية بينما كانوا وما زالوا هم أكبر تهديد لهذا الإجماع وأكبر مصدر من مصادر تفتيت المنطقة وتهديد وحدتها وتماسكها، فلا يهمهم سوى مصالحهم وخدمة مشروعهم، مشروع الخلافة الذي يتجاوز الأوطان ولا يعترف بها، ولا يهمهم سوى إرضاء نوازع الانتقام الدفينة لديهم من البلدين معاً ومن كل الدول العربية التي وقفت ضد مؤامراتهم وأفشلت مشروعهم، وهذا ما يعرفه ويدركه كل الحكماء والمخلصين من شعوبنا العربية من المحيط إلى الخليج. أما مهندسو المشروعات الطائفية والمذهبية وذوو الأطماع في المنطقة العربية، فإن أهدافهم لا تخفى على أحد في ضرب التحالف السعودي المصري، لأنه حائط الصد القوي والمنيع في مواجهة مخططاتهم، وهم يسعون بكل قوة لاستغلال الخلافات بين البلدين لصالحهم. ولعل نظرة سريعة إلى تغطيات وسائل الإعلام الإيرانية للخلافات المصرية – السعودية منذ بدايتها، ومحاولات إيران تقديم نفسها بديلاً للسعودية في إمداد مصر بالنفط، تكشف بوضوح كيف تخدم هذه الخلافات أعداء العرب وتصب في مصلحتهم.

هناك تباين في وجهات النظر بين مصر والسعودية بشأن بعض القضايا والملفات الإقليمية والدولية، وهذا أمر طبيعي في العلاقات بين الدول التي لا يُفترض فيها التماهي أو التطابق التام، ولكن في الوقت نفسه من المهم ألا تحجب هذه الخلافات أو التباينات في وجهات النظر مقتضيات الأمن القومي العربي المهدَّد في الصميم، ولا أن تُترك الفرصة للمغرضين والمرتزقة والمتآمرين لكي يلعبوا بعواطف العامة ومشاعرهم ويسمموا العلاقة التاريخية الراسخة بين البلدين؛ لأن الذين يدّعون الدفاع عن مصر أو الدفاع عن السعودية في هذا الخلاف العادي والطبيعي في العلاقات بين الدول، إنما يضرون بقصد أو من دون قصد بالبلدين معاً ويقدمون خدمة مجانية لأعدائهما وأعداء العالم العربي والمتربصين به. ولذلك أقول إن هذا هو الوقت الذي يجب أن يقوم فيه الحكماء والعقلاء في الجانبين بدورهم لتجاوز سحابة الصيف بين الشقيقتين الكبيرتين مصر والسعودية، فهذه ليست المرة الأولى التي تحدث فيها تباينات في وجهات النظر بينهما ولن تكون الأخيرة، فهذا هو منطق أي علاقة بين دولتين مهما كانت قوة ومتانة المصالح التي تربطهما، لكن البلدين كانا دائماً يمتلكان القدرة والحكمة والإرادة لتجاوز خلافاتهما والمضي إلى الأمام؛ ولذلك فإن أملي كبير في أن القاهرة والرياض سوف تفوتان الفرصة على المغرضين الذين يقتاتون على خلافاتنا ومشاكلنا.

وعلى الرغم من أن تفاعل الأحداث في مسار العلاقات السعودية – المصرية خلال المرحلة الحالية يبعث على القلق بشكل أو بآخر، فإن الصورة ليست قاتمة تماماً لأن أصوات الحكمة في البلدين الشقيقين بدأت تشق طريقها وتأخذ مكانها بين ضجيج المنتفعين ومراهقي الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، مدركة أن ثمة من يريد أن يضع مصر والسعودية في مواجهة بعضهما بعضاً لاستنزافهما معاً، ومن ثم صرف انتباههما عن المخاطر التي تحيط بهما وبالمنطقة العربية من داخلها ومن خارجها، وهذه الأصوات الحكيمة هي الرصيد الذي اعتمد عليه البلدان دائماً لتجاوز أزماتهما في السابق، وهي الجسر الذي سيعبران من خلاله ويتجاوزان المشكلة الحالية الطارئة في علاقاتهما، بإذن الله.

Share