العقل .. وإرهاب العقل

  • 11 مايو 2015

بقلم: عبدلله محمد السيبة

العقل هو هبة الله عز وجل للإنسان، وقد أمرنا الخالق أن نُعمل عقولنا للتفكر استناداً لقوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لأيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ) (آل عمران/190). ومن هنا نستدل على أن أهمية العقل تتركز في ضرورة التفكر إذ ذكر محمود عباس العقاد في ستينيات القرن الماضي أن (القرآن لا يذكر العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه). وبالتالي، فإن أبرز وظيفة للعقل هي التفكر في آيات الله عز وجل واتباع أوامره واجتناب ما نهانا عنه. ولكن الملاحظ أن أخطر ابتلاء أصاب المسلمين في العصر الحديث هو ما تقوم به التنظيمات (الإسلامية) المتطرفة من نشر وزرع لأفكار وتوجهات تهدف تدمير ملكة التفكر، أي تغييب العقل لدى شرائح كبيرة من المجتمعات العربية المسلمة.

فخلال السنوات الأخيرة؛ نجحت الجماعات الإسلامية المتطرفة، خاصة تنظيم «داعش» في استقطاب آلاف الشباب العربي والغربي لصفوفها بهدف إثارة القلاقل والاضطرابات ليس فقط في المجتمعات العربية، بل أيضاً في بعض الدول الغربية. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزت تلك الجماعات مرحلة العمل في الظل، وخرجت إلى العلن لتحتل أراضٍ عربية تحت راية الجهاد وبهدف تحرير الشعوب من ظلم القادة الضالين المستبدين وتأسيس الخلافة الإسلامية والتمثيل بأصحاب الديانات السماوية الأخرى. واللافت للنظر أن تلك الجماعات المتطرفة لا تمتلك القوة العسكرية المنظمة فقط، بل استطاعت وضع وتنفيذ استراتيجية تقوم على قاعدتين في غاية الأهمية هما: الفكر والإعلام.

فقد قامت تلك التنظيمات بوضع وتنفيذ سياسة ناجعة تستند إلى بث أفكار واتجاهات ظاهرها دعاوى إسلامية وباطنها استنزاف لعقول الشباب العربي وزرع سلوك عدواني دموي لا يفرق بين الحاكم والمحكوم وبين المتعلم والأمي. واستطاعت تلك الجماعات بفعالية أن تجذب عقول الشباب من الجنسين ومن مختلف دول العالم وتوظيفهم لمصلحة مخططاتها الإرهابية. ولكن لم تكن تلك السياسة أن تنجح لولا الأدوات الإعلامية الفعالة التي تستخدمها تلك الجماعات لنشر فكر التطرف. وقد نجحت معظم تلك التنظيمات وعلى رأسها «داعش» في تسخير الإعلام الإلكتروني من خلال مواقع التواصل الاجتماعي في نشر أفكارها وقراراتها وسياساتها وما تقوم به من قطع لرؤوس المسلمين وغير المسلمين؛ مما يشير لتميز واحترافية واضحين في استخدام شبكة الإنترنت بهدف نشر أفكار وتوجهات تلك الجماعات المتطرفة.

ونظراً لخطورة استراتيجية الجماعات الإسلامية المتطرفة على عقول المجتمعات الإسلامية بشكل عام والشباب بشكل خاص؛ فقد كان من الحتمي وضع استراتيجية مضادة تقوم أيضاً على قاعدة إعمال العقل والتفكر. ولا أرى أبلغ دليل على تلك الاستراتيجية من جهود الدكتور جمال سند السويدي مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الهادفة كشف زيف ادعاءات تلك الجماعات من خلال إعمال العقل. وبمعنى آخر؛ مواجهة الفكر بالفكر. وأبرز مثال على ذلك كتاب (السراب) للدكتور جمال سند السويدي والذي يكشف بالأدلة والبراهين العقلية مخططات التنظيمات الإسلامية وأساليبها في بث أفكار مضللة في عقول الشباب العربي المسلم. ويُعد الكتاب أول معالجة بحثية أكاديمية معمّقة وشاملة لظاهرة الجماعات الدينية السياسية وما تنتهجه من فكر مضلل.

ويطرح الكاتب استراتيجية تلك الجماعات في هدم مفهوم الدولة الوطنية، وذلك باستخدام شعارات دينية مضللة، ثم يقوم بأسلوب علمي أكاديمي بتفنيد تلك التوجهات والسياسات ويكشف زيفها. ويؤكد الكاتب؛ من خلال عرض منهجي ولغة مبسطة تعيها شرائح المجتمع العربي المختلفة؛ إن اختلاف مسميات تلك الجماعات الدينية الإسلامية ليس برحمة للمسلمين، وإنما هو الضلال في باطنه والزيف في ظاهره. وهنا تبرز أهمية مواجهة إرهاب العقل بإعمال العقل بهدف توظيف الفكر لما فيه خير الإنسان وليس تدميره.

ولكن من أجل استكمال قواعد استراتيجية مواجهة إرهاب الجماعات الدينية السياسية المتطرفة، لابد من تقوية دور الإعلام وتوظيفه بالطريقة المثلى ليكون الداعم لنشر الفكر العقلاني السليم. ويجب على وسائل الإعلام التقليدية والإلكترونية أن تنتهج سياسة عربية موحدة هدفها بث رسالة الاعتدال. وبمعنى آخر؛ على وسائل الإعلام ألا تترك المفكرين والباحثين بمفردهم يسلكون درب مواجهة إرهاب العقل الذي تنشره التنظيمات الدينية السياسية المتطرفة، بل يجب على الإعلام توحيد جهوده مع المفكرين ونشر وترسيخ نتاج عملهم الفكري العلمي من أجل توعية المجتمع.

رابــط الخبـــر

Share