“السراب” يكشف خبايا الجماعات السياسية الدينية ومخططاتها

  • 14 مارس 2015

“السراب” كتاب يسلط الضوء على الجماعات السياسية الدينية، في شرح عميق يشرح من خلاله الدكتور جمال سند السويدي، هذه التيارات الدينية المتشددة في قالبها السياسي، وكيف مزجت بين الدين الإسلامي ومع مزاعمها السياسية، حيث أماط صاحب كتاب السراب، اللثام عن الجماعات السياسية، من خلال تحليلات عميقة مستمدة من بحوث علمية وإجابات عن إشكالات عميقة، في قالب سردي اعتمد فيه التسلسل الزمني “الكرونولوجي” لظهور الجماعات السياسية الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي، منذ النشأة إلى غاية الركوب على أمواج الربيع العربي، خلال سنة 2011 واحتكارهم للمشهد السياسي في العالمين العربي والإسلامي، مشيرا إلى أن عنوان الكتاب الذي انتقاه يوحي بالفعل حسب قناعته الشخصية إلى كون التيارات السياسية بقالب إيديولوجي ماهي إلا وهم، لبس قناع الدين للوصول إلى السلطة وتحقيق مزاعمه البعيدة عن الإسلام، الذي من ميزاته الوسطية والاعتدال.

من جهة ثانية يسلط الكتاب الضوء في تبويباته الأربعة على مجموعة من الإشكالات التي حاول الدكتور جمال سند السويدي صياغة إجابة لها عبر سبعة فصول وزعها على صفحات الكتاب الذي وصل عدد صفحاته إلى 815، حيث يناقش في الفصل الأول مجموعة من القضايا المتعلقة بالجماعات الدينية السياسية، عبر تعريفه لها وجدلية الإسلام السياسي بين الواقع والخرافة، والدين والسياسة والعلاقة التاريخية والصراع الدائم بينهما، في حين ركز في الفصل الثاني على حالات تطبيقية للجماعات الدينية السياسية منها “الإخوان المسلمون، السلفيون، السروريون بالإضافة إلى التنظيمات الجهادية”، دون أن يغفل صاحب الكتاب اتجاهات الرأي العام حول الجماعات الدينية السياسية لتعزيز طرحه وتقويته، حتى يضفي على الكتاب التكامل والتناسق بين ما هو علمي وبحثي وما هو تطبيقي استبياني..ونحن بدورنا سنعمل على تسليط الضوء على أهم النقاط التي تناولها الكتاب الذي يعبر عن قناعات ذاتية لصاحبه تحت طائلة أن ناقل الإيمان ليس بمؤمن وناقل الكفر ليس بكافر.

استهل جمال سند السويدي كتابه “السراب” بجملة تعبر بالملموس عن قناعة صاحبه وتمسكه بطرحه، حول الجماعات السياسية الدينية، حين قال: “الكتاب يعبر عن رؤيتي الذاتية”، التي تنطلق من الصراع الذي يخوضه عدد من الدول في العالمين العربي والإسلامي، ضد الفكر المتطرف وجماعاته وتنظيماته، مشددا على ضرورة استعادة دور العقل والاجتهاد والتفكير والتدبير والتأمل في الدين الحقيقي الذي يحث المسلمين على القيم الفاضلة، وذلك في مواجهة الغلو والتطرف، الذي يكون نتيجة حتمية لتجاهل الفكر المتطرف في مراحله الأولى.

جرس إنذار

هذا الصراع الذي بزغ في الآونة الأخيرة وباتت الدول العربية والإسلامية محورا له، بعد أن استوطنتها الجماعات الدينية وأخذت منها قاعدة للعمل وفق مخططها –الدولي- السياسي بقالب ديني، أسال العديد من المداد، حيث خاض فيه الكتاب والمحللون، لكن يبقى كتاب “السراب” واحدا من أهم الكتب التي تناولت الجماعات الدينية السياسية، في جرد مفصل، اعتمد من خلاله الدكتور جمال سند السويدي على العديد من المراجع حتى يوصل رؤيته البحثية المعمقة عن الجماعات الدينية السياسية في شتى ممارساتها وتجلياتها، من خلال تتبع تاريخ هذه الجماعات ودراسة حالة بعضها، منذ بدايتها حتى فشل تجربة حكم جماعة الإخوان المسلمين في بعض الدول العربية والإسلامية، وهنا أشار الدكتور جمال السويدي أن ضريبة فشل الجماعات الدينية السياسية في إدارة شؤون دولها ومجتمعاتها غالبا ما تكون باهضة، حيث دائما تكون بعيدة عن إعلاء قيم العقل وارتقاء مكانة العلم إلى العنف بشتى أنواعه، وهو الدافع الذي جعل يدق جرس الإنذار من خلال كتابه “السراب”.

بين الواقع والخرافة

شكل تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العالمين الإسلامي والعربي في بدايات القرن العشرين إلى ظهور الإسلام السياسي بأيديولوجيته الدينية وأجندته السياسية وتنظيماته، وذلك انطلاقا من مفهوم تبناه حسن البنا يقول أن “الدين الاسلامي معتقد متكامل وشامل يقدم بديلا للتغريب والمادية التي تهدد المجتمعات المسلمة”، دون أن نغفل شعارا رفعه الإخوان المسلمون يتجلى في “الإسلام دين ودولة”، وهو حسب السويدي يعتبر “شعارا سياسيا مؤدلجا” لخدمة الأغراض السياسية للإخوان، كما ساهمت هزيمة الدول العربية في حرب 1967 نقطة تحول نوعية في مسار الجماعات الدينية السياسية، وشكل حافزا لانتشار فكر الجماعات في تلك الفترة، بالإضافة إلى حرب أكتوبر عام 1973 وما صاحبها من مشكلات اقتصادية واجتماعية استفادت منها الجماعات التي تعتبر نفسها بديلا للأنظمة المدنية، دون أن نغفل اتفاقية كامب ديفيد التي أقسمت ظهر البعير في سبتمبر 1978، واندلاع الثورة الاسلامية الايرانية عام 1979، والاجتياح السوفييتي لأفغانستان لدعم النظام الشيوعي، كلها أحداث مهمة في مسيرة الجماعات الدينية السياسية زادت من حظوظها.

بين الإطار العام الذي ظهرت فيه بعض الجماعات السياسية الدينية، وبين الواقع يتقلص الزخم الذي جاءت به هذه التيارات الدينية حسب الدكتور جمال سند السويدي، الذي حاول المجيء بالعديد من الأمثلة التي تظهر تمخض الجبل الذي ولد فأرا، حيث أشار إلى أن مشاركة الإخوان المسلمين في المجالس التشريعية يتناقض تماما مع فكرة الحاكمية التي تمثل الركيزة الأساسية للجماعة، هذا من جانب، إضافة إلى أن مشاركات الجماعات الدينية في عدد من الحكومات بعيدة 2011 والربيع العربي الذي حملهم إلى السلطة، أبان وبالملموس حسب مؤلف الكتاب عن قصر نظر الجماعات في تسيير شؤون الوطن، وغياب الكوادر التي تشغل المناصب والمسؤوليات الحكومية، حيث استدل الدكتور السويدي، بحكم الإخوان المسلمين في مصر عقب الثورة التي أنهت حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك، حيث قال مؤلف الكتاب: “برهنت تجربة حكم جماعة الاخوان المسلمين في جمهورية مصر العربية على ان مظهر الاعتدال السياسي كان مجرد وسيلة لتحقيق اهدافها السياسية.

من جهة ثانية عمل مؤلف السراب على تقييم فكر الاسلام السياسي، مشيرا إلى أن الأرضية الأوديولوجية التي بنى عليها أصحاب هذا الفكر، هي غير سليمة، مبرزا فكر الخلافة في الجماعة ومحاولة استنساخه دون مراعاة لما يعيشه العالم من مظاهر للحداثة والعصرنة، إضافة إلى استمرار الاعتقاد بدمج الديني بالسياسي دون الاعتبار بما آلت إليه أوربا خلال القرون الوسطى.

فصل الدين عن السلطة

يَعتبر الدكتور جمال سند السويدي، مسألة فصل الدين عن السلطة أساسية وجوهرية وذلك بسبب التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكونها تساعد في خطط تحقيق التنمية بنواحيها المختلفة.

وهنا يعمل صاحب كتاب “السراب” على وضع فصل الدين عن السلطة في إطار الجماعات السياسية الدينية، حيث اعتمد في هذا الطرح على ثلاث نقاط أساسية ابتدأها بالخلط بين الدين والسياسة، كونها عملية حتمية أفرزتها الظروف الموضوعية لتطور المجتمعات، والطبيعة الروحية التي تريد إيجاد حيز روحي إلى جانب الدنيوي، حسب تعبير السويدي، إلا أن هذا الخلط الذي أفرزته الظروف السالفة الذكر أدى إلى عصور ظلامية، كانت أوروبا موطنا لها، في مقاربة تشبيهية مع ما نعيشه اليوم من ظلامية، بعد ظهور تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وما عاشته أوروبا في قرون خلت.

وحول فصل الدين عن الدولة يقول جمال السويدي: “فصل الدين عن الدولة لا يعني إلغاء الدين من الحياة العامة أو منع المسلمين من ممارسة شعائرهم الدينية وارتياد المساجد وتحقيق الحياة الروحية التي يرجونها”. بل هو عكس ذلك تماما إذ يعزز المكتسبات الدينية والفردية ويوفر لها بيئة آمنة، كما أن إقصاء الدين عن الحياة العامة ليس خيارا كونه ينطوي على مخاطر اجتماعية وسياسية، لأن الدين يلعب دورا مهما في ضبط السلوك الاجتماعي للأفراد ومن تم تحقيق الاستقرار.

وهنا يشير مؤلف “السراب” إلى أن التيارات السياسية لبست ثوب الدين ونمقت توجهاتها لحشد الجماهير من خلال عاطفة الدين، لكن ذلك بغية إرضاء مصالحها ونزواتها السياسية المتمثلة في السلطة والوصول إلى الحكم، عبر قناع الدين الذي طالما سقط مع كل وصول إلى السلطة، وخير دليل حسب السويدي هو تعامل التيارات الدينية فيما بينها، حيث استدل على تعامل جماعة الإخوان المسلمين مع حزب النور، الذي بدوره يمثل الفصيل السياسي الديني.

من جهة أخرى حاول السويدي تسليط الضوء على نماذج اختارت فصل الدين عن السلطة، وهنا بسط النموذجين الفرنسي والأمريكي، وحاول تقديم السلبي والإيجابي، محاولا إيجاد بديل للخروج بالنموذج العربي الإسلامي، الذي لم يتمكن بعض من فصل الدين عن السلطة.

مجهر الجماعات

في الفصل الثالث من كتاب السراب، اختار الدكتور جمال سند السويدي، الحديث على مختلف التيارات السياسية الدينية وعن مشاركاتها السياسية، مشيرا إلى بعض التحولات السياسية التي شهدها العالم العربي منذ 2011، والتي أوصلت العديد من الجماعات الدينية السياسية ممثلة في الإخوان المسلمين إلى الحكم في دول عربية عدة، كما حاول جرد تاريخ الجماعة منذ نشاتها وتغلغلها في الدول العربية أبرزها مصر، سوريا، الكويت، الإمارات ثم باقي الأقطار العربية، قبل أن يعرج عن فكر الجماعة وأهدافها والوسائل التي اعتمدتها، حيث حاول الإخوان المسلمون الربط بين الديقراطية ومبدأ الشورى من أجل تبرير انخراطهم في السياسة، وهنا يقول جمال السويدي أن أخذ الإخوان بالديمقراطية كان على مضض لإدراكهم أنه هو السبيل الوحيد للوصول إلى السلطة وتحقيق أهدافهم، التي يبقى أحد أبرزها والمعلن دائما هو إقامة دولة إسلامية أو تطبيق نظام الخلافة.

من جهة أخرى شكل وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم في مصر مثلا فصلا من فصول سقوط القناع، حسب الدكتور السويدي، الذي قال في كتابه السراب، “اتسمت فترة حكم الرئيس المصري الاسبق الدكتور محمد مرسي بنزعة إلى احتكار السلطة والسيطرة على مفاصل الدولة ضمن ما يعرف بـ”الأخونة”.

كما شكل الفصل الثالث فرصة للتعرف عن الجماعات الدينية السياسية لما يعرف بمسمى السلفيون، السروريون ثم التنظيمات الجهادية، منذ نشأت هذه التيارات السياسية المنضوية تحت لواء الدين وأهم مؤسسيها وأهدافها وبرامجها الفكرية ومخططاتها للوصول إلى السلطة، معتمدة على الدين كأساس لسلب العقول وحشد التعاطف للوصول إلى الكراسي.

رأي الجمهور في الجماعات الدينية السياسية

حتى يكون طرح الدكتور جمال سند السويدي متكاملا ومتزنا، اعتمد كمعظم الدراسات والبحوث الميدانية إلى استبيانات الرأي العام إزاء الجماعات الدينية السياسية، حيث اجرى دراسته على 1200 فرد من مختلف الأجناس والفئات العمرية، وقد أظهرت النتائج عدم وجود معرفة كبيرة لدى المستطلعة آراؤهم بالجماعات الدينية السياسية بصفة عامة، وسجلت أعلى معدلات المعرفة لديهم بجماعة الإخوان المسلمين، ثم السلفيين والتنظيمات الجهادية. كما وضحت الدراسة أن الجماعات الدينية السياسية لم تستوعب أولويات مجتمعاتها، كما لم تفطن إلى مغزى التدين الفطري الذي تتسم به هذه المجتمعات.
وبسؤال أفراد العينية عن المصادر التي يستقون منها معلوماتهم عن الجماعات الدينية السياسية، اتضح أن التلفزيون كان مصدرا لنحو 60,9 في المائة من أفراد العينة، بينما مثلث شبكة الإنترنت مصدرا لنحو 38,8 وكانت الصحف مصدرا لنحو 31,2 فيما شكلت وسائل التواصل الاجتماعي مصدرا لحوالي 29,2 من أفراد العينة، في حين شكلت الكتب والإذاعة مصدرا لحوالي 17,3 و12,5 من أفراد العينة على التوالي، ويعتمد 4,1 على وسائل أخرى تكون بمثابة مصدر له في الحصول على معلومات عن لجماعات الدينية السياسية.

Share