الخليج وإفريقيا: مصالح ما بعد الحرب الباردة

  • 10 سبتمبر 2010

يُعنى كتاب “العلاقات الخليجية الإفريقية… الواقع وآفاق المستقبل”، والذي نعرضه هنا، لمؤلفه محمد مهدي عاشور، بالإجابة على تساؤلين رئيسيين: إلى أي مدى أثرت التحولات الدولية والإقليمية في طبيعة العلاقات بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والدول الإفريقية؟ وهل العوامل الخارجية هي العائق الأساسي أمام تنشيط العلاقات الخليجية الإفريقية وتفعيلها، أم أن هناك عوامل هيكلية، داخلية وإقليمية، تحول دون تعزيز ذلك التعاون؟

ويقسم المؤلف كتابه إلى أربعة فصول: يعرض أولها للتحولات الدولية وضرورات التعاون الخليجي الإفريقي، ويرصد ثانيها مؤسسات التفاعل الخليجي الإفريقي وأطره، بينما يُعنى ثالثها بتحليل واقع العلاقات الخليجية الإفريقية ومعوقاتها، وأخيراً يتطرق رابع لقضايا العلاقات الخليجية الإفريقية ومواقف الطرفين منها.

وكما يقول، فقد عانت الساحتان الخليجية والإفريقية آثار انهيار القطبية الثنائية وانتصار المعسكر الغربي، وتصاعد التدخل الدولي في المنطقتين بذرائع مختلفة؛ مثل دعم الديمقراطية، ومساندة الأقليات، ومحاربة الإرهاب… بل لم يسلم الطرفان من التدخل الأجنبي لتغيير نظمهما التعليمية والثقافية والاجتماعية.

وعلاوة على ذلك، يشير المؤلف إلى تداعيات الأزمة المالية العالمية على الجانبين، وإلى ما حملته من فرص وتحديات لاقتصاداتهما، إذ سعت الدول الإفريقية لاستقطاب بعض الفوائض المالية الخليجية، بينما بدأ يتضح للجانب الخليجي مدى خطر تركز استثماراته في الدول الغربية وضرورة تنويع تلك الاستثمارات. كما يشير إلى الاكتشافات النفطية الواعدة في إفريقيا، ومنافستها المحتملة للنفط الخليجي. والحاصل أن التحولات الدولية والإقليمية حملت الكثير من الدوافع والفرص للتعاون الخليجي الإفريقي، إلا أن واقع الحال يشير إلى ضعف ذلك التعاون، مما يثير التساؤل حول أسباب الواقع الهش للعلاقات الخليجية الإفريقية.

وفي هذا الخصوص يميز المؤلف بين أربعة مستويات لمؤسسات وأطر التفاعل بين الدول الخليجية والإفريقية. ففي المستوى الأول تشارك دول الخليج وإفريقيا في الكثير من المؤسسات الدولية والإقليمية، في مقدمتها الأمم المتحدة التي تضم تلك الدول جميعاً، ثم منظمة المؤتمر الإسلامي، وتشمل جميع دول “التعاون” وأكثر من نصف الدول الإفريقية، علاوة على الاتحاد الإفريقي الذي يحظى بصفة مراقب لدى “المؤتمر الإسلامي”، وكذلك جامعة الدول العربية التي تؤدي فيها دول “التعاون” دوراً أساسيا فيما يتعلق بالمشروعات التنموية والاقتصادية والثقافية على الساحة الإفريقية.

أما المستوى الثاني فيتمثل في الصناديق التنموية التي أنشأتها دول الخليج، وتعمل على دعم اقتصادات الدول النامية، وفي مقدمتها دول إفريقيا. بينما يتعلق المستوى الثالث بالمؤسسات الخيرية والإنسانية، الإغاثية والدعوية، التي تمتلك دول الخليج العربية شبكة واسعة منها، وهي تقدم خدمات متنوعة. وأخيراً يتعلق مستوى التعاون الرابع بالمنتديات الاقتصادية المشتركة، خاصة “المنتدى الاقتصادي الخليجي الإفريقي” الأول (المنامة، ديسمبر 2008)، و”الحوار الاقتصادي الإفريقي” (كيبتاون، فبراير 2009).

وحول واقع العلاقات الخليجية الإفريقية، وفيما يخص منها حجم التفاعلات الدبلوماسية بين الجانبين، يوضح المؤلف أن عدد البعثات الدبلوماسية لدول “التعاون” في الدول الإفريقية، يبلغ 69 بعثة دبلوماسية وقنصلية، لكن 39 منها في دول الشمال الإفريقي العربية. أما التمثيل الدبلوماسي الإفريقي لدى دول “التعاون” فيبلغ 109 بعثات، منها 49 بعثة لعشر دول عربية إفريقية.

وعن التفاعلات الاقتصادية في واقع العلاقات الخليجية الإفريقية، يذكر المؤلف أن قيمة التجارة البينية تضاعفت نحو ثلاث مرات بين عامي 2000 و2007، من 6.4 مليار دولار إلى 21 مليار دولار.

غير أن ذلك الرقم يخفي حقيقة ضعف التبادل التجاري بين الجانبين، إذ يرتبط كلاهما في تجارته بالدول الغربية، على حين لا تمثل التجارة بينهما أي قدر يعتد به، مع استثناءات تتعلق بالتبادل التجاري الإماراتي والتبادل التجاري السعودي مع دول القارة.

ويعلل المؤلف ضعف العلاقات بين الدول الخليجية والإفريقية بوجود ثلاث مجموعات من العوائق؛ أولها معوقات عامة مثل الصور المشوهة المتبادلة بين العرب والأفارقة، وارتباطها بالمفاهيم الغربية، وافتقار الطرفين إلى منظومة فكرية محددة للتعاون. وثانيها معوقات من الجانب الإفريقي أهمها تبعية النخب للقوى الاستعمارية، وتوجسها من المساعدات الخليجية حيث تعتقد أنها انتقائية وتدعم توجهات دينية. كما مثلت عوامل التدهور والفساد وسوء الأوضاع الأمنية في الدول الإفريقية، حاجزاً أمام الاستثمارات الخليجية. أما ثالث مجموعة من المعوقات فتتعلق بالجانب الخليجي، وأهمها افتقاره إلى تجارب ذات شأن مع إفريقيا، وعدم الدراية بأوضاعها ومتطلباتها.

ويتطرق المؤلف إلى قضايا العلاقات الخليجية الإفريقية ومواقف الطرفين منها، فيلاحظ أن اتجاهات التصويت الإفريقية في الأمم المتحدة، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، تماثلت عموماً مع نظيرتها الخليجية، لاسيما إزاء موضوعات الصراع العربي الإسرائيلي، والحرب العراقية الإيرانية، والغزو العراقي للكويت. كما اتسق الموقف الخليجي من قضايا الاستقلال، وحق تقرير المصير، والتفرقة العنصرية… مع الموقف الإفريقي.

والخلاصة، كما يرى المؤلف، أن هناك مصلحة حقيقية، خليجية وإفريقية، في تعزيز علاقات التعاون بين الطرفين. ومن الضروري إعادة بناء هذه العلاقات على أسس جديدة، بعد استنفاد أغراض مبادلة الدعم المالي الخليجي للدول الإفريقية ومساندتها إزاء الاستعمار والعنصرية مقابل التأييد الإفريقي للقضايا الخليجية والعربية… وأن يكون التعويل في المرحلة المقبلة على مؤثرات عملية تنطلق من الواقع الملموس ومن شبكة المصالح المشتركة.

Share