الابتكار.. الإمارات تستعد للثورة الصناعية الرابعة

  • 4 يوليو 2017

بقلم: أ. د. جمال سند السويدي

لا تترك دولة الإمارات العربية المتحدة شيئاً للمصادفة، ولا ترضى أن تكون في موقع المراقب من بعيد لما يشهده العالم من تطورات كبرى، خاصة في مجال التطور العلمي والتكنولوجي، وإنما ترسم خطواتها بدقة، وتخطط لمستقبلها بوعي وعلم، وتصر على أن تكون في قلب التقدم العالمي في المجالات كافة، وتدرك أنها لكي تكون الأفضل في المستقبل، عليها أن تكون الأكثر إبداعاً وابتكاراً وإنتاجاً للمعرفة، وهذا لا يأتي من فراغ، وإنما من عمل حقيقي قائم على تخطيط وعزم وطموح وإرادة، إضافة إلى قاعدة ثرية من الكوادر البشرية المؤهلة والمسلحة بكل ما يحتاج إليه التنافس في مضمار التقدم في العالم من مهارات وإمكانات.

لقد جسّد إطلاق سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الاستراتيجية الوطنية للابتكار في شهر أكتوبر من عام 2014، وجعل عام 2015 عاماً للابتكار، ارتباط الابتكار بالمستقبل، بل وبالوجود ذاته في عقل قيادتنا الرشيدة، فمن لا يبتكر لن يكون له وجود في المستقبل، ومن لا يعمل بجد لن يكون قادراً على الابتكار، ولذلك جاءت هذه الاستراتيجية التي تهدف إلى جعل دولة الإمارات العربية المتحدة ضمن الدول الأكثر ابتكاراً على مستوى العالم خلال السنوات المقبلة، تعبيراً عن رؤية استراتيجية شاملة ضمن إطار مؤسسي يضمن تنفيذها وتحقيقها لأهدافها، وهذا لا ينفصل عن «رؤية الإمارات 2021» التي تهدف إلى جعل دولة الإمارات العربية المتحدة من أفضل دول العالم بحلول الذكرى الخمسين لإنشائها.

لا يمكن الحديث عن الابتكار والإبداع من دون نظام تعليمي عصري ومتميز، واهتمام حقيقي بالبحث العلمي، ووجود بنية تحتية ومؤسسية تشجع على الابتكار، ومشاركة كل قطاعات المجتمع في العمل من أجل الابتكار، وتشجيع المبدعين وتبنّي أفكارهم ومواهبهم، إضافة إلى تحويل الابتكار إلى ثقافة وطنية سائدة، ولذلك، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة تعمل في مسارات متوازية للنهوض بالتعليم والارتقاء بالبحث العلمي وجعل الابتكار أولوية في كل مؤسساتها، وتراهن على أن الارتقاء بالتعليم سيجعل لحظة تصدير آخر برميل نفط بعد خمسين عاماً من الآن لحظة للاحتفال وليس للحزن، كما قال سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة في القمة الحكومية في دبي عام 2015.

لم يصل التاريخ إلى نهايته في أي مجال من المجالات، وقد أثبتت الأحداث والمتغيرات أن فكرة «نهاية التاريخ» هي فكرة وهمية وعنصرية أيضاً، لأن العالم لا يتوقف عن التجديد والتغيير والتقدم إلى الأمام، وفي كل مرحلة يكون هذا التقدم بوتيرة أسرع من المرحلة السابقة، وهذا ما يبدو بشكل خاص في مجال التطورات التكنولوجية والعلمية التي شهدتها البشرية خلال السنوات القليلة الماضية، وحولت الخيال إلى واقع، وحققت طفرة غير مسبوقة في مجال التقدم العالمي. وتعي دولة الإمارات العربية المتحدة منذ وقت طويل أهمية هذه التطورات ومساراتها المستقبلية، وتُعِدُّ نفسها للانخراط القوي والفاعل فيها، منطلقة من منطلقات أساسية عدة: أولها، أن الابتكار هو المصدر الأهم للثروة والدخل في عصر الاقتصاد المبني على المعرفة وليس الموارد الطبيعية، وأن الدولة التي تمتلك الفكرة المبدعة والقادرة على تنفيذها تمتلك الثروة والقوة والنفوذ والتأثير في محيطها والعالم، بصرف النظر عن حجمها أو عدد سكانها أو موقعها الجغرافي. ثانيها، أن الابتكار ليس له حدود، وإنما هو خط ممدود نحو الأفق، وعلى الرغم من أن هناك دولاً سبقتنا في هذا المجال بخطوات كبيرة، فإن الساحة ما زالت تتسع لمن يمتلك إرادة التفوق ويعمل بأسبابه، لأن التقدم ليس حكراً على دولة أو مجموعة من الدول، وإنما هو متاح لكل من يعمل بوعي وعلم وتخطيط من أجله. ثالثها، أن الابتكار ليس ترفاً، وإنما هو شريان الحياة، ومن لا يبتكر خلال السنوات المقبلة سوف يحكم على نفسه بالفناء أو الانزواء بعيداً في هامش التاريخ، ولقد كان سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، معبراً حينما رأى في مقال له نشر في فبراير 2014، أن أمام الدول خيارين لا ثالث لهما: إمّا الابتكار، وإما الاندثار، وأن 65% من الطلاب في مرحلة رياض الأطفال حالياً سوف يعملون في وظائف غير موجودة في الوقت الحالي، وأن 47% من الوظائف الموجودة خلال المرحلة الحالية سوف تختفي بسبب التقدم في مجال التكنولوجيا..

مرت الثورة الصناعية في مسيرتها الثرية بمراحل ثلاث: الأولى ارتبطت باختراع المحرك البخاري في القرن الثامن عشر. وارتبطت المرحلة الثانية، التي بدأت نهاية القرن الـ19 واستمرت حتى الحرب العالمية الأولى، بالكهرباء والتصنيع. فيما كان عنوان المرحلة الثالثة التي بدأت في نهاية القرن العشرين، هو تقنية المعلومات أو ما يسمى (الحوسبة)، ويتحرك العالم الآن لدخول المرحلة الرابعة من الثورة الصناعية، وعنوانها الأساسي هو (الذكاء الصناعي) وكل ما يرتبط به من تطور في مجال الروبوت والطباعة الثلاثية الأبعاد وغيرها. وتعمل دولة الإمارات العربية المتحدة من خلال استراتيجيتها الطموحة للابتكار على قيادة المنطقة في الاستعداد لهذه الثورة الصناعية الرابعة، التي يبدو أن حجم التحول فيها سوف يكون كبيراً وربما أكبر من القدرة على التصور، وسوف يترتب عليها الكثير مما يتعلق بأوزان الدول وحدود نفوذها في العالم خلال العقود المقبلة، وفي هذا السياق جاء إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة خلال اجتماعات «مجالس المستقبل العالمية» في دبي في شهر نوفمبر 2016، أنها بصدد إنشاء أول مجلس للثورة الصناعية الرابعة على المستوى العالمي، في إشارة قوية إلى الريادة الإماراتية في هذا الشأن من ناحية، وإلى أن الإمارات تستعد للتطور التكنولوجي والعلمي القادم في العالم، ليس بالشعارات أو الأمنيات، وإنما بالعمل والتخطيط والثقة بالنفس والقدرات.

هناك الكثيرون في العالم العربي يتكلمون عن أهمية العلم وعن تأخر العرب في مجال التقدم التكنولوجي ويشخّصون الأسباب، بل ويقدمون وسائل الخروج من شرنقة التخلف تلك، لكن القليلين يغادرون الكلام إلى العمل ويتركون الجدل إلى الإنجاز، وتقدم دولة الإمارات العربية المتحدة الدرس لكل المنطقة العربية في هذا الخصوص، لأنها وهي تنخرط بقوة في مجالات الابتكار والإبداع، إنما تمثل مصدر إلهام لكل الدول العربية، فقد تقدمت دول كثيرة في العالم بعد تخلف، بفضل الاهتمام بالعلم، فيما تراجع العرب بسبب إهمال العلم والبحث العلمي، وقد آن الأوان لكي تدرك الشعوب العربية أن ما يرسم مستقبلها ويتحكم في موقعها، بل ووجودها في العالم، ليس العودة إلى الماضي أو التماهي في مشروعات وهمية لقوى الإسلام السياسي، وإنما العلم والابتكار والإبداع، لأنه لا مكان في مستقبل هذا العالم لغير المبدعين.

http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=94873

Share