«الإنترنت».. التكنولوجيا إذ تبدّل حياتنا جِذرياً

  • 6 ديسمبر 2016

بقلم: أ. د. جمال سند السويدي

من نافلة القول أن الشبكة العنكبوتية هي الاختراع الذي وَسَم القرن العشرين بسمته، بل لعل الكلام عن أن «الإنترنت» تُعَدُّ واحدة من العلامات الفارقة للألفية الثانية، التي شهدت سنواتها الأخيرة ظهور هذه الأداة «السحرية»، فيه بعض الإجحاف، فـ«الإنترنت» تمثل بحقٍّ ثورة علمية غيَّرت حياة البشرية بشكل شبه كامل، بحيث يصعب أن نجد اختراعاً مثيلاً لها في التاريخ، عدا اختراع الكهرباء، من حيث حدود تأثيرها ومجالاتها والتحولات الكبرى التي أحدثتها على المستويات كافة. ولعل هذا لا يحتاج إلى جهد كبير لإثباته أو التدليل عليه، في ظل سطوة «الإنترنت» على الحياتين الشخصية والعملية لمستخدميها، ناهيك بتأثيرها الكاسح، سواء السلبي أو الإيجابي، في مجالات الاقتصاد والسياسة والأمن والتعليم والثقافة وغيرها، ودورها في إعادة صياغة الكثير من المفاهيم والمسلَّمات والأدوار، سواء بالنسبة إلى الأفراد أو المجتمعات أو المؤسسات، التي ظلت ثابتة لعقود طويلة من الزمن.

ولعل من المؤشرات ذات الدلالة المهمَّة في هذا الشأن ما يتعلق بعدد مستخدمي الإنترنت حول العالم، الذي يشير إلى انتشارها السريع والواسع في الدول النامية والمتقدِّمة على السواء، حيث أفاد أول مسح إحصائي رسمي عام 1996 بأن عدد مستخدمي الإنترنت يربو على 40 مليون نسمة، غير أن إحصاءً تبعه عام 2013 بيَّن أن هؤلاء المستخدمين صاروا أكثر من 2,5 مليار نسمة حول العالم. وأشارت إحصاءات منظمة الأمم المتحدة، إلى أن هذا العدد وصل إلى 3,2 مليار نسمة في نهاية عام 2015، ومن المتوقع أن يصل إلى 3,5 مليار نسمة بنهاية عام 2016 بما نسبته 47 في المئة من السكان على الأرض.

ومع أن رواج الإنترنت كان محدوداً لبعض الوقت، لعدم جاهزيَّة البنية التحتية للاتصالات الأرضية في الدول الناشئة خصوصاً، فإن التطورات اللاحقة في ميادين الاتصالات والبنية التحتية لها مهَّدت الطريق لانتشارها الواسع في هذه الدول. وهذا يؤكد الحضور القوي للإنترنت في حياة الفرد وعدم قدرته على الاستغناء عنها أو مواصلة حياته على المستوى الشخصي أو العملي من دونها، يستوي في ذلك الفرد في الدول النامية والمتقدمة.

والتأثير الأهم لـ«الإنترنت»، من وجهة نظري، هو أنها أتاحت للإنسان العادي، في أي مكان في العالم، مجالاً من المعرفة الواسعة التي لا حدود لها، حيث مكَّنته من الحصول على كمٍّ هائل من المعلومات والأفكار بسهولة وسرعة كبيرتين لم تتوافرا في أي وقت عبر التاريخ، دون حواجز أو قيود. وليس هذا فحسب، وإنما أصبح في إمكان هذا الإنسان العادي أن يتفاعل مع هذه المعلومات والأفكار، بالانتقاد والتصحيح والتعليق وإعادة الإرسال، بدلاً من أن يقف منها موقف المتلقِّي فقط كما كان في الماضي، وهذا عمَّق من دوره وتأثيره في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، لأنه وفَّر له المعلومات التي تمكِّنه من فهم ما يدور حوله والوعي به، ويسَّر له سبل الحصول عليها، فضلاً عن طرق التأثير في الآخرين، ومحاولة حشدهم وراء فكرة أو هدف، وأتاح أمامه مجالاً للتأثير في محيطه المحلي أو العالمي بعيداً عن مؤسسات التأثير التقليدية من أحزاب وجمعيات وبرلمانات وغيرها. وبهذا المعنى، فإن «الإنترنت» جعلت الفرد جزءاً لا يتجزأ ممَّا سميتُهُ سابقاً -في كتابي «وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في التحولات المستقبلية.. من القبيلة إلى الفيسبوك»- «الجمهور الفاعل» القادر على تحقيق التغيير وتوجيهه، ليس في المجال السياسي فحسب وإنما في مجالات أخرى عديدة.

إن حصولنا جميعاً على فرص متكافئة في عالم افتراضيٍّ هو من أهم المزايا العملية التي كرَّستها «الإنترنت» في عالمنا، إذ جعلت من الممكن تحقيق المساواة بين هذا المستخدم وذاك، أياً كان مستوى كل منهما وطبقته وعمره وخلفيته. وتنسحب «ديمقراطية الإنترنت» هذه على كيفية إدارتها المعلومات وسبل إيصالها كذلك.

وربَّما كان الإنجاز الأكبر الذي حققته «الإنترنت» هو كسر النمط التقليدي للعمل السياسي الذي كان يتم توجيهه من القمَّة، إذ باتت القاعدة بفضله تسهم إسهاماً فعَّالاً في إرساء أسس هذا العمل السياسي والمشاركة فيه بأشكال مختلفة والتأثير في مساراته، وهذا ما يؤكده بوضوح الدور الذي تقوم به وسائل التواصل الاجتماعي من «فيسبوك» و«تويتر» و«واتس آب» وغيرها في المجال السياسي.

ولم تغير «الإنترنت» المفاهيم التقليدية للعمل السياسي فحسب، وإنما غيرت أيضاً مفاهيم العمل التجاري والاقتصادي، إضافة إلى العسكري، وهذا ما يتضح من الدور الكبير الذي غدت «الإنترنت» تلعبه في مجالات الاقتصاد والتجارة والتسويق، إضافة إلى «الحروب السيبرانية» التي لا يقل تأثيرها وخطرها عن المواجهات العسكرية المباشرة، بل ربما تفوقها من حيث النتائج والفاعلية بما تمثله من قدرة فائقة على الإضرار بالخصم وتحطيمه.

وغيَّرت «الإنترنت» كذلك مفهوم القوة ومضامينها ومعاييرها، ولعل أكثر مَن عبَّر عن ذلك هو عالم الكمبيوتر الأميركي جارون لانير مؤلف كتاب «من يملك المستقبل؟» الصادر في عام 2014، حيث قال: من لديه جهاز الكمبيوتر الأقوى سيكون هو أقوى شخص، سواء خطط لذلك أم لا.

و«الإنترنت»، مثلها مثل كثير من الأدوات والاختراعات التي سبقتها أو تلك التي سوف تأتي بعدها، خادم أمين لمستخدمها الذي يستطيع أن يوظِّفها للعب دور سلبي أو إيجابي ويمكنه توجيهها إلى هذا الاتجاه أو ذاك، فهي بحقٍّ سيف ذو حدَّين، وربما أمضى من كل ما سبقها، على مستويات شتَّى، خصوصاً مع قدرتها على تجاوز حدود المكان والزمان، والوصول إلى حيث تعجز كل الأسلحة الأخرى عن الوصول إليه، إضافة إلى ما تتميز به من قدرة كبيرة على جذب الملايين إليها وإبقائهم أسرى لها، ليس فقط كمصدر للفكرة والمعلومة وإنما كإطار للعلاقات والتفاعلات أيضاً. وهكذا تصبح طريقة توظيف «الإنترنت»، وأهداف استخدامها، عملية تتصل بالمعايير الثقافية والسياسية للمستخدم نفسه، وليس بـ«الإنترنت» في حد ذاتها، لأنها رغم كل ما تمتلكه من قدرة على التأثير، فهي قناة محايدة لا تكتسب تأثيرها إلا من خلال ما يُصب فيها من محتوى. ولعل الجرائم الإلكترونية، وتوظيف الجماعات الإرهابية للشبكة العنكبوتية في عمليات التجنيد التي تقوم بها، فضلاً عن عملياتها الإرهابية، والاستخدام السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي، وبث الشائعات… إلخ، هي أمثلة واضحة على الآثار السلبية لـ«الإنترنت» التي لا بدَّ من مواجهتها، ووضع الأطر التنظيمية والتشريعية للسيطرة عليها، بما يتيح الاستفادة من هذه الثورة المعلوماتية الجبَّارة، وفي الوقت نفسه تفادي مخاطرها على أمن المجتمعات وسلامها واستقرارها، خصوصاً في مجتمعاتنا العربية التي يتم استهدافها من بعض القوى المتطرِّفة، التي تجعل من «الإنترنت» مجالاً لبث توجُّهاتها وأفكارها المدمِّرة.

على الرغم من الدراسات الكثيرة التي أُجريت حول تأثيرات الإنترنت على الدول العربية من النواحي السياسية والاقتصادية والأمنية وغيرها، فإنني أعتقد أن الأمر يحتاج على الدوام إلى المزيد من الدراسات المعمقة من ناحية وعدم التوقف عن البحث المستمر في تداعيات الإنترنت عربياً من ناحية أخرى، خصوصاً أن الثورة التكنولوجية في مجال الاتصالات لا تتوقف عن التطوُّر والتجدُّد، إضافة إلى ما كشفته السنوات الماضية من أن «الإنترنت» قد غدت ساحة لتمرير وتنفيذ مشروعات الفوضى والتقسيم والصراع الطائفي والديني والعرقي في المنطقة العربية.

Share