الإمارات: وطن السعادة والإيجابية

  • 2 مايو 2017

بقلم: أ. د. جمال سند السويدي

السعادة هي هدف البشرية الحقيقي… هكذا قال الفيلسوف اليوناني الشهير و«المعلم الأول» أرسطو، وهو ما تجسده دولة الإمارات العربية المتحدة في كل برامجها وسياساتها وقراراتها التي تتمحور حول إسعاد الإنسان ورفاهيته والارتقاء بجودة حياته، سواء نظرنا إلى الماضي أو إلى الحاضر أو إلى المستقبل.

ولعل إحدى أهم المبادرات التي سيسجلها التاريخ لدولة الإمارات العربية المتحدة، هي قرارها الخاص بإنشاء وزارة للسعادة، تكون معنية ليس فقط بإسعاد أفراد المجتمع، وإنما أيضاً بجعل السعادة منهج حياة وثقافة عامة، وقيمة لا غنى عنها، في الطريق نحو توفير مقومات العيش الكريم للمواطنين، وليس أدل على ذلك من تدشين الحكومة برنامجاً وطنياً للسعادة والإيجابية، يستهدف تضمين السعادة في سياسات وبرامج وخدمات الجهات الحكومية كافة وبيئة العمل فيها، وترسيخ قيم الإيجابية والسعادة كأسلوب حياة في مجتمع الإمارات، وتطوير مقاييس وأدوات جديدة لقياس السعادة في هذا المجتمع. ولعل ما يعزز من هذا التوجه أن دولة الإمارات العربية المتحدة لم تتوقف عن ابتكار المزيد من الخطوات الرائدة عالمياً على طريق نشر وتعزيز ثقافة السعادة والإيجابية، حيث تم اختيار 60 رئيساً تنفيذياً للسعادة والإيجابية في الجهات الحكومية الاتحادية والمحلية وتأهيلهم عبر برنامج تدريبي علمي شامل ومكثف هو الأول من نوعه عالمياً، ليشكلوا بذلك الجيل الأول من الرؤساء التنفيذيين للسعادة والإيجابية في حكومة الإمارات، وبذلك تكون الإمارات هي الأولى في العالم التي تستحدث دور الرئيس التنفيذي للسعادة والإيجابية، وهي الأولى أيضاً في تطوير برنامج تدريبي متخصص في هذا المجال.

وحينما أتحدث عن ريادة الإمارات في السعادة والإيجابية، فإنني أستذكر بكل عرفان وتقدير الوالد المؤسس، المغفور له -بإذن الله تعالى- الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ومقولته الخالدة التي يؤكد فيها أن «لا فائدة في المال إذا لم يسخر لخدمة الشعب»، فهذه المقولة تمثل مصدر الإلهام الحقيقي للعمل من أجل إسعاد الإنسان ورقيه وتقدمه في الإمارات منذ نشأتها في عام 1971 وحتى الآن، وهي المقولة التي يسير على نهجها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وتشكل جوهر «مرحلة التمكين» التي أطلقها سموه في عام 2005، التي تستهدف «تهيئة البيئة المبدعة اللازمة لتمكين الفرد المواطن من عناصر القوة اللازمة ليصبح أكثر إسهاماً ومشاركة في مختلف مجريات الحياة الاجتماعية والسياسية والإنتاجية والمعرفية»، وهذا ينعكس بوضوح في الخدمات الراقية التي يتم تقديمها للمواطنين، سواء في الاهتمام الكبير بالتعليم في مراحله كافة، والحرص على تحديثه وتفعيله، ورصد كل الموارد المالية التي يحتاج إليها، أو في تطوير الخدمات الصحية وخدمات الإسكان والثقافة والإعلام، إضافة إلى الحرص على إيجاد بنية تحتية عصرية ومتطورة تضاهي المعايير العالمية، أو في توفير أجواء الأمن والاستقرار الشامل، أو في التمكين للمواطن وفتح مجالات العمل والإبداع والابتكار أمامه في كل المجالات، ولهذا فإنه من الطبيعي أن تأتي الإمارات في مرتبة متقدمة على المستويات الخليجية والعربية والدولية في معايير التنمية البشرية، وفقاً للعديد من التقارير التي تقيس مؤشرات التنمية والتطور في الدول والمجتمعات المختلفة.

ولا شك في أن مبادرات الإمارات لترسيخ السعادة والإيجابية في المجتمع، لا تنفصل عن رؤيتها للاستثمار في العنصر البشري، باعتباره الثروة الحقيقية للوطن، فالبشر هم أغلى ثروات الوطن وهم صنّاع التنمية وهدفها في الوقت نفسه، ولهذا تضع الدولة العمل على رفاهية الشعب ورفع مستوى معيشته وتحسين نوعية حياته في مقدمة أولوياتها، لأنه لا يمكن الحديث عن أي تقدم أو تنمية من دون العنصر البشري المؤهل والقادر على المشاركة بفاعلية في حركة تنمية المجتمع وتطوره، وهذا ما جسدته بوضوح كلمة صاحب السمو، رئيس الدولة، حفظه الله، في اليوم الوطني التاسع والثلاثين في الأول من ديسمبر 2010، التي حدد فيها حزمة من الأهداف والمقاصد التي تعمل الدولة على إنجازها، وفي مقدمتها «تحقيق التنمية الاجتماعية وتحسين نوعية الحياة وفق رؤية وطنية شاملة ومستدامة غايتها توفير التعليم الجيد والمسكن اللائق والمستويات العالية من العناية الصحية، وتوفير نظام رفاه اجتماعي لجميع المواطنين، والارتقاء بالخدمات الحكومية العامة، وتمكين المرأة وحماية الأمومة والطفولة، ودعم الشباب، ورعاية المسنين والقصّر، والاهتمام بذوي الاحتياجات الخاصة، والنهوض بالمناطق النائية بما يحقق التوازن في التنمية الاقتصادية والاجتماعية على مستوى الدولة، والتأسيس لحياة ثقافية مجتمعية غنية تساوي بين المواطنين في الحق والواجب، وتتيح لهم فرص المشاركة في صنع السياسات واتخاذ القرارات، مع التزام كامل بالتقاليد وقوانين الدولة». وقد أعاد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي -حفظه الله- بمناسبة مرور 50 عاماً على إنشاء حكومة أبوظبي في أكتوبر 2016، تأكيد هذا المعنى، بقوله: «إننا نريد من موظفي حكومة أبوظبي أن يكون إسعاد المواطنين هو الأولوية التي تحكم عملهم، وأن يلمس المواطنون ذلك في المعاملة الحسنة، والسرعة في الإنجاز».

تؤكد كل المؤشرات والتقارير الدولية المعنية بقياس مؤشرات الرضا والسعادة أن دولة الإمارات العربية المتحدة تتبوأ مرتبة متقدمة عربياً وإقليمياً ودولياً، وأن مبادراتها في هذا الشأن أصبحت تحظى بالإشادة والتقدير، لأنها تنطلق من الاستثمار في الإنسان الإماراتي والارتقاء بقدراته وتوفير البيئة المثالية أمامه للإبداع والابتكار. فقد احتلت دولة الإمارات العربية المتحدة المرتبة الأولى عربياً والـ28 عالمياً في «تقرير السعادة العالمي 2016»، الذي صدر في شهر مارس 2016 عن «المبادرة الدولية لحلول التنمية المستدامة» التابعة للأمم المتحدة بالتعاون مع «المركز الكندي للدراسات المتقدمة»، و«معهد الأرض» بجامعة كولومبيا، الذي يضم 157 دولة. ونوه التقرير بالخطوة التي قامت بها حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة بتعيين وزيرة للسعادة، باعتبارها تعكس حرص الحكومة على وضع السعادة هدفاً رئيسياً في السياسة العامة. كما تجيء الإمارات ضمن فئة التنمية البشرية «المرتفعة جداً» في تقرير التنمية البشرية الذي يصدر سنوياً عن البرنامج الإنمائي التابع لمنظمة الأمم المتحدة. ولا شك في أن المواقع المتقدمة التي تحصل عليها الإمارات في مؤشرات السعادة والرضا والرفاهية والتنمية البشرية على الساحتين الإقليمية والعربية، لم تأتِ من فراغ، وإنما هي نتيجة لخطط واستراتيجيات تنموية واعية تحرص باستمرار على الاستثمار في بناء الإنسان على المستويات كافة، والعمل على ضمان ديمومة رفاهيته في إطار من التنمية الشاملة والمستدامة التي تعيشها الدولة في مختلف المجالات.

حينما يشعر أي مجتمع بالرضا والسعادة، فإنه ينظر بأمان وتفاؤل إلى حاضره ومستقبله، ويمضي قدماً إلى الأمام في مسيرته التنموية، وهذا ما نجحت فيه دولة الإمارات العربية المتحدة التي جعلت من بناء الإنسان والاستثمار فيه رهانها الحقيقي نحو المستقبل، وغرست في أبناء الوطن جميعاً قيم الولاء والانتماء والتضحية بكل غالٍ ونفيس من أجل رفعة الوطن ونهضته، وهذا هو السر في نجاح تجربة التنمية الإماراتية، فالقيادة التي تجعل من سعادة مواطنيها هدفاً وأولوية رئيسية، وتترجم ذلك في سياسات واستراتيجيات ملموسة من جانب أبناء الوطن جميعاً، تجعل الجميع في تنافس من أجل هدف واحد هو نهضة هذا الوطن، وإعلاء شأنه بين الأمم المتقدمة، لأن الجميع يدرك أن كل ما يتحقق على أرض الإمارات من إنجازات ومكتسبات تنموية في المجالات المختلفة، إنما يوجَّه إليهم وإلى رفع مستواهم، وتنمية قدراتهم وقدرات أبنائهم والأجيال المقبلة، ولهذا فإنهم يعملون على الحفاظ على هذه المكتسبات، وتنميتها ضماناً لمستقبل أبنائهم.

وإذا كانت السعادة والرضا العام يمثلان الحافز نحو مزيد من العمل والتميز فيه، فإنهما في الوقت ذاته ينمّيان في المجتمع القيم الإيجابية كالولاء والانتماء والوفاء، وهي منظومة القيم التي تعزز من التماسك الداخلي، وترسخ من حالة الاستقرار الشامل التي تعيشها الدولة على المستويات كافة، لأنه حينما يشعر أفراد المجتمع بالسعادة والرضا العام والأمان على حاضرهم ومستقبلهم، فإنهم يمتلكون الدافع والحافز القوي للدفاع بكل قوة عن هذه الإنجازات والمكتسبات، في مواجهة أي محاولات للنيل منها، وهذا ما يعزز من الشعور بالطمأنينة داخل المجتمع الإماراتي، ويدفع الدولة دائماً إلى السير إلى الأمام بقوة وثقة وثبات لتحقيق طموحاتها التنموية، وبما يواكب «رؤية الإمارات 2021» التي تهدف إلى جعل الإمارات من أفضل الدول في العالم في الذكرى الخمسين لإنشائها.

http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=94070

Share