الإرهاب.. طاعون العصر

  • 25 ديسمبر 2014

عرف المفكر السياسي الدكتور جمال سند السويدي، مدير مركز الإمارات للدراسات الاستراتيجية، وأستاذ العلوم السياسية في كل من جامعة الإمارات وجامعة ويسكونسن الأميركية، بمساهماته العلمية الواسعة ودراساته المنهجية المعمقة، في القضايا العربية والعالمية، ورؤيته الاستشرافية للمتغيرات والتحولات على المستويين العربي والدولي.

يتناول الدكتور جمال سند السويدي في أحدث إصداراته: «السراب»، ظاهرة الحركات الدينية السياسية، في مسارها التاريخي، وواقعها الراهن، ومآلاتها المستقبلية. ويستطلع اتجاهات الرأي العام عن هذه الجماعات، ومدى تأثره بها وثقته فيها. ويقدم رؤية تفسر في مجملها الإخفاق المستمر للجماعات الدينية السياسية، في التفاعل الكفء والتناغم مع متطلبات الحداثة والتقدم لمجتمعاتها.

ويرى المؤلف أن عوامل هذا الفشل، تأتي في مقدمتها العزلة الفكرية، التي فرضتها هذه الجماعات على نفسها، وانغلاقها على الذات. ويؤكد أن «القاعدة المتمثلة في ضرورة الانفتاح على الآخر والاختلاط معه، هي بالفعل جزء من التطور الطبيعي للحياة، التي وضعها الخالق جل جلاله على الأرض».

والكتاب، بموضوعه، ومنهجيته العلمية، وأسلوبه البحثي الاستقصائي، يمثل إضافة نوعية للمكتبة العربية، ودراسة مرجعية للباحثين والمتخصصين وصناع القرار، في العالم العربي والإسلامي، وفي العالم بشكل عام.

تسييس الدين

يواجه العالم، كل العالم، حالياً «طاعون العصر» الجديد، المتمثل في انتشار ظاهرة التطرف والعنف والإرهاب الفكري والمادي، ابتداء من العصابات الصهيونية، مثل «شتيرن» و»الهاجانا» وغيرها، مروراً بتنظيم «بادر ماينهوف» و»الألوية الحمراء»، وحتى «القاعدة» و»داعش» وإخوانهما، وباقي عائلة الانحراف والتطرف، وإن اختلفت الأسماء وتعددت الأشكال.

وبينما اتجه العالم لحشد قواه في مواجهة هذا الإرهاب، مركزاً على الحلول الأمنية والعسكرية الآنية قصيرة الأمد، عكف الباحث الاستراتيجي والمفكر السياسي الدكتور جمال سند السويدي، يجمع المعلومات ويحلل البيانات، ويغوص في أعماق النشأة والتحولات، ليستخلص النتائج، ويستشرف الآفاق المستقبلية والمآلات السرابية لأوهام المتأسلمين.. أو ما سماه الجماعات الدينية السياسية، التي تعمل على تسييس الدين وتديين السياسة، ليخرج بعد جهد بحثي واسع وتحليل منهجي معمق، بتوصيات ومقترحات لوقاية المجتمعات من هذه الآفة المستشرية، وعلاجها إن وقعت في المحذور وتعرضت للإرهاب.

وقد وضع الدكتور جمال السويدي خلاصات بحثه ودراسته، في كتاب اختار أن يكون عنوانه «السراب»، ليبرز مدى الترابط الموضوعي بين السراب في الطبيعة، وبين سراب الأوهام التي تقدمها التنظيمات المتطرفة، وينخدع بها الكثيرون، لدوافع وأسباب قد تختلف بين الأشخاص وفي المجتمعات، لكن النتائج والمآلات واحدة.

تسويق الوهم تتركز الأطروحة الأساسية للكتاب، حول «فكرة السراب السياسي، الذي يترتب على الوهم الذي تسوّقه الجماعات الدينية السياسية للعديد من شعوب العالمين العربي والإسلامي». ويرى الدكتور جمال السويدي، أن هذه الجماعات تستغل الدين الحنيف لمصالح سياسية أو شخصية، وتصر على خلط الأوراق وتحميل الآخر مسؤولية التخلف والتراجع الثقافي والحضاري للعرب والمسلمين، وتحتكر تفسير الدين…

ويذهب العديد منها إلى تكفير مخالفي الرأي وقتلهم، مخالفاً بذلك أسسا ومبادئ رئيسة رسخها الدين الإسلامي الحنيف، الذي يسعى إلى غرس أسس الوسطية والاعتدال والتسامح. وينبه إلى خطورة الصمت «حين يصبح الجهر بالرأي والتصدي للجهل واجباً، بل فريضة».

ولذلك يقرع جرس إنذار ويوجه صيحة تنبيه، كي يفيق البعض من غفوتهم أو انخداعهم بشعارات دينية براقة، داعياً لاستعادة دور العقل والاجتهاد والتفكير والتدبر، وإعمال الدين الحقيقي الذي يحث المسلمين على هذه القيم الفاضلة.

حربفكريةيؤكد الدكتور جمال السويدي، أن الصراع الذي تخوضه العديد من الدول في مواجهة الفكر المتشدد أو المتطرف، لا ينبغي أن يكون محصوراً في نطاق أمني وعسكري، لأنه «حرب ممتدة ذات طابع فكري في الأساس». ويوضح ذلك قائلاً: «بل يمكن القول إن شقها (الحرب) الفكري، يتطلب تخطيطاً بعيد المدى لا تقل أهميته، بل ربما تفوق، أي معالجات خططية على الصعد الأمنية والعسكرية».

ومن هنا يطرح الكاتب أهمية البحث العلمي في حماية الأمن الوطني للدول والمجتمعات، عبر نقاشات علمية جادة للتحديات والتهديدات، وتفكيكها وتحليلها، وطرح البدائل والحلول اللازمة لمعالجتها. وفي هذا السياق، يتناول الباحث ظاهرة الجماعات الدينية السياسية، من زوايا متعددة، فكرية وسياسية وعقائدية واجتماعية، مركزاً على الفكر الديني السياسي بشتى تجلياته وجماعاته.

ويؤكد الدكتور جمال أن الجماعات الدينية السياسية «ليست وجهاً آخر للإسلام الحنيف ولا تعبر عنه»، مشدداً على أن «الاستسلام لهذه الجماعات إساءة للدين». ويقدم الكاتب رؤية بحثية معمقة للجماعات الدينية السياسية، متتبعاً تاريخ هذه الجماعات، ودراسة حالة بعضها منذ بدايتها حتى فشل تجربة حكم جماعة «الإخوان المسلمين» في بعض الدول العربية والإسلامية.

بين الواقع والخرافةما هي المبادئ والآليات التي تستخدمها الجماعات الدينية السياسية لتحقيق أهدافها؟

يجيب الدكتور جمال بأن هذه الجماعات تستخدم الدين لتحقيق أغراض سياسية ومصلحية، لأنها بطبيعة عملها كانت دائماً، ولا تزال، تسعى إلى الحكم أو السلطة.. موضحاً أنها تستفيد من الخلط الإيديولوجي والمجتمعي في الدول العربية والإسلامية، بين الدين والدولة، وهو الخلط الذي نجح الغرب المسيحي منذ قرون في إنهائه «من خلال فصل الديني عن الدنيوي، وتشكل طبقات سياسية واقتصادية واجتماعية مستقلة».

ونتيجة لفشل الجماعات الدينية السياسية في وضع برامج ومشروعات وخطط متكاملة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، يتوقع الدكتور جمال السويدي أن تبقى هذه الجماعات على هوامش الحياة السياسية في العالمين العربي والإسلامي، على المدى القصير والمتوسط على أقل التقديرات، إذا بقيت لها أي شرعية قانونية وسياسية وشعبية تذكر..

حيث استغلت موجة التغيير العربية، ولم تلعب دوراً في انطلاقتها، ووصلت إلى الحكم لتبرهن على أنها غير ناجحة سياسياً واقتصادياً، حتى إنها تشكل خطراً أمنياً على استقرار دولها.

حالات تطبيقية يخصص السويدي باباً كاملاً لحالات تطبيقية للجماعات الدينية السياسية في العالمين العربي والإسلامي، يتناول فيه المسار التاريخي لأبرز هذه الجماعات، مثل جماعة الإخوان المسلمين، والسلفيين، ثم السروريين (نسبة إلى السوري محمد بن سرور زين العابدين)، وأخيراً التنظيمات الجهادية.

وفي هذا السياق، يقول: إن جماعة الإخوان المسلمين ظلت منذ تأسيسها تسعى للوصول إلى الحكم، وتتخذ من حديثها عن إقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة في مختلف مناحي الحياة، ستاراً براقاً.

ويضيف: على الرغم من صعوبة إطلاق أحكام عامة على تجارب الإخوان المسلمين في السلطة أو الحكم في الأقطار العربية والإسلامية المختلفة… فإن النسق العام الذي يمكن استنتاجه، هو أنها بشكل عام، لم تحقق ما كانت تسعى إليه من جهة، وبشكل خاص، لم تنجح في تحقيق طموحات الشعوب وتوقعاتها من جهة أخرى.

وبينما يرى أن الجماعة السلفية على تنوعها، تتفق في أمور وتختلف في أخرى جذرية فرقت وباعدت بينها في المنهج والأسلوب والأهداف، فإن الباحث يعتبر أن التنظيمات الجهادية تستلهم أطروحات منظّر الإخوان المسلمين سيد قطب.. وأن الانشقاقات والخلافات بين هذه الجماعات هي انشقاقات تصب في الإطار الداخلي للتنظيمات الجهادية، ولا تعني انشقاقات للفكاك من هذا الفكر المتطرف، بل ربما يتجه بعض المنشقين إلى تأسيس تنظيمات أشد تطرفاً.

ندوب في الوعيحول اتجاهات الرأي العام، وخاصة في دولة الإمارات العربية المتحدة، من مواطنين ومقيمين، ومدى تأثرهم بالأحداث والتحولات الجارية في العالمين العربي والإسلامي، يرى الدكتور جمال أن تجربة السنوات الماضية قد خلفت ندوباً عميقة في الوعي الجمعي العربي والإسلامي.

واستند الباحث في ذلك على نتائج دراسة ميدانية حول الموقف من الجماعات الدينية السياسية، ومدى معرفة المستطلعين بهذه الجماعات وثقتهم فيها، ومصادر معلوماتهم عنها، وعن العلاقة بين الدين والسياسة.. وغيرها من الجوانب المرتبطة بالجماعات الدينية السياسية، وعلاقتها بالحكم والسياسة.

ويرى المؤلف أن نتائج الدراسة تبرهن على زيف ادعاءات قيادات الجماعات الدينية السياسية، وإصرارهم على تبني خطاب المؤامرة، وأن هناك أيادي خفية عملت ضدهم وأسهمت في رفض الشعوب لهم، مضيفاً أن ذلك يعني استمرار نهج تلك الجماعات في الهروب من الحقائق، وعدم امتلاكها الجرأة الكافية للمكاشفة ونقد الذات.

رابــط الخبر

Share