أوهام أفول “العصر الأميركي”

  • 18 يونيو 2014

بقلم: د. عبدالحميد الأنصاري

ما أكثر المؤلفات والدراسات والمقالات عن “نهاية العصر الأميركي” وأفوله وتقلص نفوذه وتراجع دوره ومكانته، وأن الولايات المتحدة تعيش اليوم مرحلة الانحدار. يتزعم هذه التنظيرات والأطروحات من يسمون بـ “التيار الأفولي”، وهم كُتاب ومفكرون من الشرق والغرب، معظمهم ذو منزع أيديولوجي، يساري أو إسلام سياسي وأصولي، مسكونون بروح العداء والمناهضة للسياسة الأميركية ولدورها العالمي.

وليست هذه التنظيرات وليدة الأحداث الحاضرة، بل لها امتدادات إلى عدة عقود سابقة، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ونحن نسمع ونقرأ، بل ونشاهد سينمائياً أفلاماً وروايات حول الأفول الأميركي، لكن الحاصل أن أميركا تزداد قوة ونفوذاً وهيمنة، وثقافتها تنتشر ومنتجاتها وتقنياتها تغمر العالم، والبطاقة الخضراء حلم شباب العالم في كل مكان. من هنا تأتي أهمية الكتاب الموسوعي “آفاق العصر الأميركي: السيادة والنفوذ في النظام العالمي الجديد”، للدكتور جمال سند السويدي، المدير العام لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، وصاحب المؤلفات العديدة حول أمن الخليج والديمقراطية والتنمية وحقوق المرأة، والصادر حديثاً في سفر ضخم (858 صفحة)، وفي طبعة عالية الاتقان ومخدومة إلكترونياً وفنياً ولغوياً. هذا الكتاب السفر، جهد ضخم، وثمرة خبرات وتجارب طويلة ومعارف واطلاعات واسعة ممتدة، لا يستغني عنه باحث أو دارس في العلوم السياسية، وفي العلاقات الدولية، بل هو مهم لكل كاتب في الشأن العام معني بالتفاعلات العالمية.

الكتاب يقدم أفكاراً ومعلومات ومعارف حول قضايا تنير الطريق وتوسع من آفاق المعرفة، وتعطي نظرة أكثر شمولية لأحداث ومتغيرات العالم المعاصر.
ودوافع المؤلف إلى وضع هذا الكتاب عديدة، أبرزها: الإسهام في بلورة رؤى استراتيجية واضحة المعالم للمستقبل، وغرس قواعد التفكير البحثية والمنهجية، وتسليط الأضواء على مؤشرات إحصائية وتحليلية يستنير بها القارئ لفهم معطيات ومتغيرات العالم حولنا.

ولا يدعي الكتاب تنبؤات مستقبلية ولا رسم خرائط طرق استشرافية، لأن المتغيرات المتسارعة تحبط كل تنبؤ أو تخطيط، لذلك سعى الكتاب لاستشراف آفاق النظام العالمي الجديد، وفق منهج علمي واضح يتيح فرصاً غنية للحفاظ على مصالح دولنا، يجنبها دفع كلفة باهظة لسوء إدراك أو فهم مغلوط للواقع الاستراتيجي العالمي. على أن أهم قضيتين أثارتا اهتمامي البحثي، والكتاب على العموم يثير تساؤلات وقضايا كثيرة، هما:

الأولى: “العصر الأميركي”. فخلافاً لكافة الأطروحات التي لا زالت تروج لنهاية العصر الأميركي، ونهاية عالم القطب المهيمن، وصولاً إلى “عالم بلا أقطاب” أو “عالم ما بعد أميركا”، يأتي هذا الكتاب ليناقش بمنهج علمي رصين مدعم بتحليلات وإحصائيات وشواهد ومؤشرات، تلك الأطروحات وليبدد “أوهاماً” سكنت عقولا كثيرة حول “نهاية الدور الأميركي”، يراها “تكهنات” أقرب إلى “الانطباعات والانحيازات والأماني والرغبات” أكثر منها إلى “الرؤية العلمية”. ومع أن كاتبنا يقدر وجاهة هذه التنظيرات وأسانيدها البحثية، إلا أنه يراها تفتقد المنهج العلمي في البحث، كونها تراهن على صعود الاقتصاد الصيني ليتجاوز نظيره الأميركي فيحتل المركز الأول في بضعة عقود. وإلى ذلك فإن هذه الأطروحات تتجاهل محددات ومصادر القوى الأخرى -غير الاقتصادية- لأميركا: التعليم، الثقافة، التفوق العسكري والتقني والاقتصادي والصناعي، مصادر الطاقة، وسائل النقل، الإنفاق على البحث العلمي، التطوير المستمر، الكشف الذاتي للأخطاء ومناقشتها علناً وتصميمها.. وهي ميزات تنافسية تتمتع بها أميركا أمام منافسيها، إضافة إلى “دولارها القوي”، وقيادتها للمؤسسات العالمية الكبرى مثل البنك وصندوق النقد الدوليين ومنظمة التجارة العالمية. ولا زالت أميركا أكبر قوة عسكرية، وأكبر قوة مقاتلة وأكثرها كفاءة على الإطلاق وبخاصة في مجال “التقنية الفائقة”. ويكفي أنها المصنّعة لطائرات “الشبح”، كما أن منافسيها لا زالوا مفتقرين إليها وإلى حلفائها الدوليين.

وفوق ذلك فإن “الثقافة الأميركية” و”أسلوب الحياة الأميركي” و”النمط المعماري الأميركي” وبنطلون الجينز” و”مطاعم الوجبات السريعة” و”نظام المولات”.. كل ذلك يزداد انتشاراً عبر المد العولمي ليغمر المعمورة. ولا زالت أميركا تجتذب أفضل وأذكى العقول العالمية التي تسعى إلى التعليم والعمل أو الإقامة في أميركا، لذلك فإن “فريدمان” محق حين يتغنى بمزايا بلاده ويقول: إنها البلد الوحيد الذي ينجح فيه الفرد في استثمار بطالته، وأكبر ماكينة اختراعات في كل التاريخ الإنساني.

هذه “الاستثنائية الأميركية” المدهشة، يرجعها المفكر السعودي “تركي الحمد” إلى “الروح الفردية الحرة” التي جعلت من الولايات المتحدة الأميركية “أمة” تختلف عن الأمم الأخرى؛ كونها مزيجا من ثقافات شعوب متعددة، انصهرت فيما يسمى “البوتقة الأميركية”، فاكتسبت تلك الصفات التي تميز الثقافة والسلوك الأميركيين، فهي إذن “إمبراطورية كوزموبوليتانية” من حيث كونها “دولة ومجتمعا” متعدد الأعراق ومنفتح الحدود، في حالة تكوّن مستمر وتوسع لم يكتمل بعد.

القضية الثانية: “العولمة”. فخطابنا الثقافي والديني والإعلامي والتعليمي، وعبر عقود، في جهاد مستميت في التحذير من المد العولمي “الخبيث” ومن “الغزو الفكري” الذي يستهدف الهوية والخصوصية واللغة والثقافة والثوابت. اذهب إلى أي جامع تجد خطيب الجمعة غاضباً محذراً من “العولمة” مكرراً حديثاً سقيماً عن “مادية” و”انحلال” الحضارة الغربية ومؤامراتها التي لا تتوقف ضد الإسلام والمسلمين!

يأتي الكتاب ليفند “هواجس” هؤلاء وليقول: إننا لا نستطيع أن نعيش بمعزل، لأن ذلك بمنزلة الانتحار الطوعي للفرد أو الدولة، فالعالم يتقارب بوتيرة هائلة التسارع و”العولمة” لم تعد “خياراً” انتقائياً يمكن الفكاك منه، بل بات التأقلم معها في شتى تجلياتها ضرورة تزداد درجة إلحاحها يوماً بعد آخر، ولا مكان للخائفين في عالم الغد.

رابـط المقـال

Share