أكد في بيانه الختامي أهمية التعامل مع التغيير المتسارع في العالم بصفته قضية وجود “مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجيَّة” يختتم أعمال مؤتمره السنوي الرابع والعشرين حوار أبوظبي: تحديات وفرص التغيير في القرن الحادي والعشرين

  • 27 مارس 2019

اختتم “مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجيَّة”، يوم الأربعاء السابع والعشرين من مارس 2019، أعمال مؤتمره السنوي الرابع والعشرين “حوار أبوظبي: تحديات وفرص التغيير في القرن الحادي والعشرين” بكلمة ختامية لسعادة الأستاذ الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام المركز، توجه خلالها بخالص الشكر والتقدير إلى الباحثين والخبراء الذين قدموا أوراقاً بحثية تميزت بدرجة عالية من الجدية والرصانة، وتضمنت مقترحات عملية، يمكن من خلالها تقديم رؤى شاملة لكيفية مواجهة تحديات المستقبل وتعظيم الفرص التي يوفرها لنا.

وأكد سعادة الأستاذ الدكتور جمال سند السويدي، أن المؤتمر السنوي الرابع والعشرين الذي يتزامن مع احتفال المركز باليوبيل الفضي لتأسيسه، يمثل حلقة جديدة في سلسلة المؤتمرات السنوية التي دأب المركز على عقدها بشكل منتظم على مدار السنوات الماضية. وقد ناقش المؤتمر من خلال جلساته الأربع، قضايا على درجة عالية من الأهمية تناولت التحديات وفرص التغيير في القرن الحادي والعشرين، وهو ما يأتي ضمن الاهتمام الخاص الذي يوليه المركز لقضية استشراف المستقبل وطرح الرؤى الخاصة بكيفية تحقيق الأهداف المنشودة. وأضاف سعادة الأستاذ الدكتور جمال سند السويدي أن هذا المؤتمر، بما شهده من مناقشات ثرية، وما توصل إليه من توصيات مهمة، يشكل إضافة نوعية إلى الدراسات المستقبلية التي باتت تحظى باهتمام كبير من قبل الدول والحكومات ومراكز الأبحاث في أنحاء المعمورة. وأشار سعادته إلى أن المركز سيعمل على أن تصل هذه التوصيات والرؤى الثرية إلى صانع القرار من أجل ترجمة ذلك كله إلى سياسات واستراتيجيات محددة وقابلة للتنفيذ على أرض الواقع.

وقد عبَّر المشاركون في ختام المؤتمر عن تقديرهم الكبير لقيادة دولة الإمارات العربية المتحدة، برئاسة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله؛ لما توليه من أهمية كبيرة لاستشراف المستقبل، بما فيه من فرص وتحديات، والاستعداد لهذا المستقبل من خلال منهج علمي وخطوات وخطط استراتيجية شاملة. ووجَّه المشاركون الشكر والتقدير إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، لتشجيع سموه الكبير على العمل من أجل وضع رؤى علمية شاملة تمهِّد الطريق للدخول الآمن والواثق إلى المستقبل، سواء في دولة الإمارات العربية المتحدة، أو دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والعالم العربي بشكل عام.

كما وجَّه المشاركون الشكر إلى سعادة الأستاذ الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية؛ لدوره في تسليط الضوء على قضية التغيير في المجالات المختلفة، وما يحمله هذا التغيير من تأثيرات مباشرة أو غير مباشرة في الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية والثقافية والاجتماعية وغيرها في المنطقة العربية والعالم، ووضع المعالم الرئيسية لمنهج التعامل مع هذا التغيير والاستجابة له؛ بما يضمن للمجتمعات الانخراط الفاعل في مسار التاريخ.

وقد خرج المؤتمر بعد مناقشات زاخرة بالأفكار والرؤى والأوراق البحثية المتخصِّصة، بالعديد من التوصيات المهمة، لعل أبرزها: (النظر إلى التغيير المتسارع في العالم في المجالات المختلفة بصفته قضية وجود، والتعامل معه من خلال منهج علمي، وعبر مؤسسات متخصصة؛ لأن عدم الاستجابة الصحيحة لهذا التغيير يعني الخروج من التاريخ، أو البقاء على هامشه. وإيلاء أولوية قصوى لدراسة آثار التكنولوجيا الحديثة في قضية الطاقة، على المستويات الإيجابية والسلبية، وما يعنيه ذلك بالنسبة إلى الدول العربية النفطية، وما يجب على هذه الدول عمله للحفاظ على استدامة التنمية فيها. وبحث الآليات والوسائل التي يمكن من خلالها ضمان استدامة مصادر الطاقة المتاحة، وتحقيق أعلى قيمة مضافة منها، بما في ذلك تكثيف الاستثمار في الصناعات البترولية، التي توفر فرصاً وظيفية جديدة، ولا تتأثر أسعارها بتذبذب سعر المواد الخام في الأسواق العالمية. والاهتمام بتداعيات التغيرات التكنولوجية، وخاصة في مجال الذكاء الاصطناعي، على الأمن الوطني في الدول المختلفة، من حيث مصادر التهديد، وآليات المواجهة للمخاطر الأمنية؛ وخاصة أن الذكاء الاصطناعي يوفر إمكانيات كبيرة لاختراق المجتمعات، وتهديد أمنها واستقرارها. والاستفادة من التطورات التكنولوجية لتعزيز الأمن الداخلي؛ المعتمِد على الأنظمة المتقدمة، وتحسين استخدامات التكنولوجيا الحديثة، وتنمية المهارات والقدرات البشرية الرائدة في هذا المجال. وتفعيل الأدوات والخطط العلمية للمحافظة على الهوية الوطنية، وحماية الشخصية الوطنية والتقاليد الموروثة من التأثيرات السلبية التي قد تفرزها الثورة المعرفية والتكنولوجية ووسائل الإعلام الجديدة. وضرورة معالجة مظاهر التراجع الذي تعيشه اللغة العربية في أكثر من مجال، ومن أهمها: التعليم وتأثير المناهج والكتب المدرسية في علاقة الطالب الناشئ بلغته الأم، وكذلك تكييفها مع حاجات سوق العمل، ودور وسائل الإعلام، ومدى تأثيرها في المتلقي، فيما يخص علاقته باللغة).

وقد بدأ فعاليات اليوم الثاني للمؤتمر السنوي الرابع والعشرين “حوار أبوظبي: تحديات وفرص التغيير في القرن الحادي والعشرين” بكلمة رئيسية ألقاها المهندس عمران شرف، مدير مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ “مسبار الأمل”، بمركز محمد بن راشد للفضاء، أعرب في مستهلها عن شكره لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، لما يقوم به من جهود تستهدف تعزيز الحوار حول القضايا التي ترتبط بمستقبل الإمارات ودول المنطقة بوجه عام.

وأشار المهندس عمران شرف إلى أن إعلان صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في عام 2014 عن إنشاء وكالة الفضاء الإماراتية، وبدء العمل على مشروع لإرسال أول مسبار عربي وإسلامي إلى كوكب المريخ بقيادة فريق عمل إماراتي في رحلة استكشافية علمية تصل إلى الكوكب الأحمر في عام 2021، وضع دولة الإمارات على خارطة الدول المتقدمة في قطاع الفضاء، وأصبحت منذ عام 2018 دولة مصنعة للأقمار الاصطناعية بالكامل.

وأوضح مدير مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ “مسبار الأمل” أن توجه الإمارات للانخراط في قطاع الفضاء يواكب التوجه نحو اقتصاد المعرفة القائم على الإبداع والابتكار، مشيراً إلى أن

إطلاق القمر الاصطناعي “خليفة سات” في أكتوبر 2018 بنجاح، يمثل محطة مهمة في تاريخ دولة الإمارات، والعرب جميعاً، لأن هذا القمر تم تصنيعه بأيدٍ إماراتية 100%، وهذا ينعكس بدوره على سمعة الدولة في الخارج، ويؤكد امتلاكها قدرات تصنيعية هائلة تضاهي نظيراتها في الدول المتقدمة.

وأوضح المهندس عمران شرف أن دولة الإمارات قطعت مرحلة متقدمة على طريق تحقيق حلمها الخاص بالوصول الى المريخ في الموعد المحدد له  في ديسمبر عام 2021،  حيث تم الانتهاء من مرحلة تصميم وتصنيع مسبار الأمل، وهو الآن في مرحلة الاختبار. مؤكداً أن رسالة “مسبار الأمل” هي إحياء أمل الشعوب العربية في استئناف المشاركة في صنع الحضارة العالمية مجدداً، فالعرب أرض الحضارات ومهد الديانات، وقادرون على استعادة دورهم الحضاري.

ثم بدأت فعاليات الجلسة الثالثة التي حملت عنوان (الاستراتيجية الصناعية لتنافسية مستدامة ودور التعليم في مجال الأعمال)، وترأسها الدكتور محمد عبدالرحمن العسومي، خبير في الشؤون الاقتصادية، بدولة الإمارات العربية المتحدة، وتحدث في هذه الجلسة الأستاذ الدكتور ديفيد بيلي، أستاذ الاستراتيجية الصناعية في كلية أستون للأعمال، برمنجهام – المملكة المتحدة، الذي قدم ورقة بحثية ناقش فيها طبيعة العلاقة بين الاستراتيجية الصناعية والتنافسية الدولية، مشيراً إلى أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة الحجم تتطلب تمويلاً ودعماً مالياً من أجل استيعاب التكنولوجيات الرقمية؛ مؤكداً ضرورة اغتنام فرص “العمل من المنزل” كفرص سانحة “لإعادة توطين” الصناعات، وضرورة الاستثمار في مشروعات البنية التحتية؛ حتى يكون في الإمكان استيعاب التكنولوجيات الحديثة؛ مثل تقنية الجيل الخامس، كجزء من سياسة صناعية أكثر شمولاً. وأكد الدكتور ديفيد بيلي أن الثورة الصناعية الرابعة ستنعكس بشكل كبير على الكثير من القطاعات والمناطق، وستكون هناك حاجة إلى سياسة صناعية تحويلية لربط التكنولوجيات، والقطاعات، والمناطق، وستتمثل التحديات التي تواجهها السياسة الصناعية مستقبلاً في الإقرار بالضرورة التحويلية لسياسة التدخل، بدلاً من المزيد من التطوير التدريجي.

كما تحدث في هذه الجلسة أيضاً الأستاذ الدكتور دومينيك فوراي (عبر الفيديو)، وهو أستاذ كرسي الاقتصاد وإدارة الابتكار، بالمعهد السويسري الاتحادي للتكنولوجيا، لوزان، الاتحاد السويسري، وتطرق فيها إلى الاستراتيجيات المبنية على المعطيات المكانية، والتخصص الذكي، والنظام الإيكولوجي، متسائلاً: أين يمكن أن تركز منطقة ما في مجال الصناعة والخدمات  طاقاتها من أجل الاستفادة القصوى من التخصص في نشاطات البحث والتطوير والابتكار؟ وما مجالات البحث والابتكار التي يمكن أن تشكل التكملة المثلى للمقدرات الإقليمية الموجودة؛ من أجل بناء قدرات مستقبلية تساعد على خلق امتيازات تنافسية بين البلدان الإقليمية؟ لافتاً النظر إلى أن هذه هي نوعية الأسئلة التي ينبغي طرحها والإجابة عنها من خلال تطوير استراتيجية التخصص الذكي؛ فالتخصص الذكي ليس منهجاً تخطيطياً يستدعي تخصص منطقة ما في مجموعة معينة من الصناعات، بل إنه يسعى إلى إيجاد وسائل قوية وشفافة لتحديد النشاطات، على المستوى الإقليمي، من تلك التي لها حضور قوي أو التي يمكن أن تستفيد من البحث والتطوير والابتكار؛ ومن ثم، وبدلاً من تقديم طريقة لتحديد إذا ما كانت منطقة ما، تتوفر على نقاط قوة في مجموعة من المجالات، فإن السؤال الجوهري يتعلق بمسألة إذا ما كانت المنطقة قادرة على الاستفادة من البحث والتطوير والابتكار والتخصص فيها أو لا، من خلال بعض النشاطات الرائدة؛ مثل: السياحة والصيد؛ وهذا يعني أن التخصص الذكي ينبغي أن يهتم بالروابط المفقودة أو الضعيفة التي ينبغي أن تكون قائمة بين موارد ونشاطات البحث والتطوير والابتكار من جهة، والبنية القطاعية للاقتصاد من جهة أخرى.

كما تحدث في هذه الجلسة أيضاً الأستاذ الدكتور كريستوس بيتليس، عميد كلية إدارة الأعمال، جامعة أبوظبي، بدولة الإمارات العربية المتحدة، الذي قدم ورقة حول التعليم في مجال الأعمال والاستراتيجية الصناعية لازدهار مستدام، مشيراً إلى أن الاستراتيجيات الصناعية، إلى جانب السياسات التجارية الدولية الداعمة وذات الصلة بها، تعد محدِّدات رئيسية لاستدامة التنافسية الدولية؛ ومن ثَمَّ، فإنها تأتي -حالياً- على رأس أولويات معظم الأجندات السياسية الوطنية على مستوى العالم. ويشير خبراء الاقتصاد إلى وجود مناقشات حول موضوعات عدة تتعلق بالتجارة منذ قديم الزمان. وأكد الدكتور كريستوس بيتليس أن الاستراتيجيات الصناعية، وتلك الخاصة بالأعمال، أدت إلى إسهامات بارزة من الدارسين والمفكرين المهتمين بمجال الأعمال.

وبعد ذلك بدأت فعاليات الجلسة الرابعة (التغيرات الاجتماعية والثقافية)، وترأسها الأستاذ محمد الحمادي، رئيس تحرير صحيفة الرؤية، بدولة الإمارات العربية المتحدة، وتحدث خلالها المهندس أحمد الجبرين، الشريك المؤسس ومدير عام شركة سماءات للإعلام والتسويق الرقمي بالمملكة العربية السعودية، وتناول في ورقته دور الإعلام الجديد وأثره في القيم الاجتماعية، حيث أشار إلى أننا نطلّع بشكل متكرر على بحوث ودراسات علمية كثيرة، كلها تقريباً تسير في اتجاه واحد، وغالباً ما يكون اتجاهاً سلبياً تجاه منصات التواصل الاجتماعي، لكن مع ذلك فإن هناك بعض إيجابيات لوسائل التواصل الاجتماعي، ومنها: قتل الغربة وتقصير المسافات، وتوسيع نطاق المشاركة الاجتماعية، وتوفير مساحة حرة للحوار والأفكار، وتعدد مصادر الأخبار، وخلق صحافة المواطن، والتسلية القليلة التكلفة، وخلق آلاف الوظائف ومصادر الرزق، وسهولة الوصول والمشاركة في المعلومات، وتسهيل عملية الدراسة والبحث، وسهولة إمكانية السفر والترحال، وعرض الإبداعات والإنجازات.

كما تحدثت في هذه الجلسة أيضاً، الدكتورة أمل بالهول مستشار الشؤون المجتمعية بمؤسسة (وطني الإمارات)، التي عرضت ورقة بحثية  -نيابة عن سعادة ضرار بالهول الفلاسي المدير التنفيذي لمؤسسة وطني الإمارات-  حول الهوية الوطنية في ظل التغيرات العالمية، مشيرة إلى أن العولمة فرضت تحدياتها على مختلف جوانب الحياة المعاصرة، ومن بينها الهوية الوطنية وقيمها، ومكونات الشخصية الوطنية في مختلف بلدان العالم، وعلى الأخص مع تفجر ثورة الاتصالات والمعلومات، والانفتاح الكبير في وسائل الإعلام. ولفتت الدكتورة أمل بالهول النظر إلى أن خلل التركيبة السكانية يمثل أحد التحديات التي تواجه دولة الإمارات، ويؤثر في هويتها الوطنية. وأضافت أنه مع انتشار العولمة في المكونات غير الاقتصادية للمجتمعات المعاصرة، وتنوع قنوات التأثير المستجدة في الأجيال الشابة، وما تبعها من غزو ثقافي وفكري، سواء كان موجَّهاً أو عفوياً، تصبح الهوية الوطنية المرتبطة بالدولة جزءاً أساسياً من أدوات حماية السِلم الوطني والاستقرار الاجتماعي في وجه هذه التحديات المستوردة، والمخاطر الناجمة عنها، اجتماعياً وثقافياً وسياسياً، وكذلك أمنياً. واستعرضت الدكتورة أمل بالهول الجهود التي بذلتها مؤسسة وطني الإمارات في الحفاظ على الهوية الوطنية الإماراتية.

وفي ختام فعاليات الجلسة الرابعة ناقشت الدكتورة مريم خلفان السويدي، أستاذ مساعد بقسم اللغة العربية، بجامعة الإمارات العربية المتحدة، في ورقتها، قضية التغيير ومستقبل اللغة العربية، مشيرة إلى أنه في ظل نظام عالمي يشهد الموت والتلاشي لكثير من اللغات. فإن اللغة العربية تشهد تراجعاً في أكثر من مجال، ومن أهمها: التعليم وتأثير المناهج والكتب المدرسية في علاقة الطالب الناشئ بلغته الأم، وكذلك تكييفها مع حاجات سوق العمل، ودور وسائل الإعلام ومدى تأثيرها في المتلقي، فيما يخص علاقته باللغة.

 

 

Share