«أبو الأمة» الهنديَّة

  • 1 سبتمبر 2015

بقلم سعادة د. جمال سند السويدي

يدعونا كل شيء في العالم من حولنا، الآن، إلى أن نتذكَّر الزعيم الهندي التاريخي، قائد حركة الاستقلال عن الاستعمار البريطاني، المهاتما غاندي (عام 1869-1948)، ففي ظل موجات العنف والصراع والدم، ونزعات التعصُّب والتطرُّف والإرهاب التي تلقي بظلالها القاتمة على منطقتنا، وتهدف إلى وضع أصحاب الطوائف والأديان والثقافات المختلفة في مواجهة بعضهم بعضاً، وتتخذ من القتل والتخريب وسيلة وشعاراً، لابدَّ من أن يقفز إلى أذهاننا صاحب منهج «اللاعنف»، وداعية التعايش بين البشر مهما كان حجم اختلافهم أو مصدره، ورجل التسامح والسلام ورفض القتل تحت أيِّ مبرِّر أو شعار ومهما كان الهدف والغاية.

العالم كله اليوم، بمفكِّريه وصنَّاع القرار فيه وجميع المهتمِّين بتعزيز السلام ومقاومة نوازع الشر والتطرف، مدعوٌّ إلى إعادة قراءة التراث الفكري لغاندي، واستلهام فلسفته الراقية التي ترى أن «النصر الناتج من العنف مساوٍ للهزيمة»، والفوز في المعارك لا يكون «بعدد الذين نقتلهم من خصومنا، ولكن بمقدار ما نقتل في نفوسنا الرغبة في القتل»، ومن مقولاته الخالدة في هذا الخصوص «إنني على استعداد لأن أموت في سبيل قضايا كثيرة، ولكنني لستُ على استعداد لأن أقْتُل في سبيل أيِّ قضايا»، وإنه «ليس هناك طريق إلى السلام، فالسلام هو الطريق». وقد أثبتت تجربة السنوات والعقود السابقة صحَّة أفكار غاندي، فلم تقدم الصراعات والحروب حلاً جذرياً لأي مشكلة، ولم تنجح أي طائفة، في أي مكان بالعالم، في إفناء طائفة أخرى، أو إلغائها، بالحديد والنار، ولم يجلب القتل إلا مزيداً من القتل، ولم يؤدِّ العنف إلا إلى مزيد من العنف، وأنتج كل تطرُّف تطرفاً مقابلاً، أو ربما أشد قوة.

وقف غاندي في وجه الإمبراطورية البريطانية بقوة الحق وسموِّ المبادئ التي دعا إليها، واستطاع أن يحقق الاستقلال لوطنه، ويكتسب احترام أعدائه قبل مؤيِّديه، وهو نهج استلهمه نيلسون مانديلا، ونجح به في تخليص جنوب أفريقيا من التمييز العنصري، وحوّلها إلى نموذج للتعايش والتنمية والاستقرار. وفي المقابل لم تحقق قوى وجماعات العنف والدم، بمختلف توجُّهاتها وأفكارها ومواقعها عبر التاريخ كلِّه، أي شيء سوى أنها أشاعت أجواء الاضطراب والصراع في بلدانها والعالم، وزرعت بذور العداء والاحتقان بين الطوائف والثقافات والمذاهب.

لقد أثبت غاندي أن التعايش دائماً يظل ممكناً مهما تعدَّدت الطوائف والأديان والأعراق والثقافات، وأن التعدُّدية المجتمعية مصدر للثراء والحيوية في أي مجتمع، ولكنَّ ما يحولها إلى مصدر للصراع والصدام هو سوء إدارتها، فلقد وضع غاندي الأساس القوي لتجربة التعايش في مجتمع يعجُّ بمئات المعتقدات والأعراق واللغات والثقافات، ورأى «أن الاختلاف في الرأي ينبغي ألا يؤدي إلى العداء»، ولذلك فإن الهند مدينة لغاندي بجميع ما حققته من نجاحات على مدى العقود الماضية حتى أصبحت «أكبر ديمقراطية في العالم»، في الوقت الذي لا تزال دول عربية عدَّة، فيها تعددية مجتمعية أقل بكثير من الهند، تعاني صراعات دينية وطائفية وعرقية تهدِّد وجودها، وتعوق تقدُّمها، وهذا يعود إلى افتقارها إلى منهج وطني لإدارة هذه التعددية يقوم على المواطنة، والترفُّع فوق الخلافات، والإيمان بالوطن الواحد.

إن أهمَّ ما قدمه غاندي، وخلَّده في تاريخ الهند والعالم، ليس منهج «اللاعنف» والدعوة إلى التعايش وقبول الآخر فقط، وإنما الإرادة القوية، وتحدِّي اليأس أيضاً، حيث ظل نحو خمسين عاماً يبشر بالمقاومة السلمية ضد الاحتلال الإنجليزي، حتى حصلت بلاده على الاستقلال عام 1947، أي قبل عام واحد من وفاته، من دون أن يحيد عن قناعاته، وضرب المثل والقدوة في التواضع والتمسك بالمبادئ والدفاع عنها، حتى إنه دفع حياته ثمناً لها على أيدي أحد المتطرِّفين الهندوس، الذي لم يَرُقْه دفاعه عن الأقلية المسلمة في الهند، فراح ضحية التطرف وضيق الأفق والتعصُّب، لكن منهجه ظل باقياً ليؤكد على الدوام فساد أفكار المتطرفين والإرهابيين من أي ملَّة أو دين أو عرق أو مذهب، وعدم قدرتهم على تقديم أي شيء إلا الدم والخراب.

لقد كان غاندي زعيماً للهنود والبشرية كافةً، بصرف النظر عن أديانهم أو أعراقهم أو طوائفهم، ولذلك يتفقون عليه، ويمنحونه لقب «أبو الأمة»، ولا يسأل أحد إلى أي طائفة أو دين أو عرق كان ينتمي غاندي، لأن فكره الإنساني كان متعدِّياً الحدود والفوارق الطائفية والدينية والعرقية، ولذلك فإن هذا الفكر لم يؤثر في الهند فقط، وإنما أثر في العالم كلِّه، حتى إن الأمم المتحدة جعلت من يوم ميلاده في الثاني من أكتوبر يوماً عالمياً «للاعنف».

رابط المقال

Share