“آفاق العصر الأميركي”

  • 16 يونيو 2014

بقلم: د. عبدالحميد الأنصاري

لطالما انشغلت الساحة العربية بمقولات “أفول الهيمنة الأميركية” وانحسارها بعد وصول قوتها إلى حدودها القصوى، وأنها تعيش اليوم مرحلة الانحدار، وشكلت هذه المقولات قضايا انشغل بها العقل العربي وخطابه السياسي على امتداد السنوات الأخيرة، وتناولها الفن السينمائي، فيلم المخرج المبدع الراحل يوسف شاهين “إسكندرية – نيويورك” الذي كان مسكوناً بوسواس العداء لأميركا، ويرى أنها تعيش أحط عصورها.

طروح أفول العصر الأميركي شغلت الساحة الدولية أيضاً، وانشغلت بها عقليات غربية وأميركية ذات نزوع أيديولوجي، تمثلت بتنظيرات “تشومسكي” و”غراهام فولر” و”هوارد زن” والسينما العالمية في أفلام المخرجين “مايكل مور” و”ميل غبسون” حول استشراف نهاية العصر الأميركي، ومن ناحية أخرى احتلت قضية “فوبيا العولمة” موقعاً بارزاً في الفكر العربي، وتصدى مفكرون عرب متوجسون من المد العولمي للتحذير من “العولمة” باعتبارها شكلاً جديداً من الاستعمار الأميركي، يستهدف محو الهوية العربية.  في سياق هذه التنظيرات، صدر كتاب مرجعي هام بعنوان “آفاق العصر الأميركي” للدكتور جمال سند السويدي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الإمارات ومدير عام “مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية” ليبدد أوهاماً سكنت عقول كثيرين، وشغلت الساحة الفكرية طويلاً، وفق منهج علمي رصين يجمع بين جمال الأسلوب وبساطة العرب وحسن التقديم وسلامة اللغة وتشويقها، فما الجديد الذي يقدمه هذا الكتاب المهم؟  الكتاب سفر ضخم يقع في 858 صفحة، ويقدم أفكاراً ومعلومات من شأن فهمها واستيعابها، أن تعيننا على فهم أعمق لتفاعلات عالمنا المعاصر والنظام العالمي الجديد وتأثيراته، يجنبنا دفع تكلفة الفهم المغلوط للواقع الاستراتيجي العالمي، ويمكننا من تعامل أذكى مع الشعوب والدول بما يحفظ مصالحنا، إضافة إلى أنها تنير طريقنا بخريطة طريق مستقبلية واضحة المعالم والأهداف، أبرز هذه الأفكار، كما أتصورها، هي:

1- تقديم تحليل معرفي دقيق لماهية “النظام العالمي الجديد” بنيته وسماته ومرتكزاته ومساراته المستقبلية والعوامل المؤثرة فيه، وارتباطه بـ”العولمة” وانعكاساتها على حدود السيادة الوطنية للدولة وأمنها القومي ومفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان، يقول المؤلف: لقد أدت التفاعلات الدولية خلال أكثر من 6 عقود إلى التحول من “نظام دولي” تجري فيه التفاعلات بين الدول ومؤسساتها الرسمية، إلى “نظام عالمي جديد” تتداخل فيه المصالح الوطنية مع المصالح الدولية، وتتم خلاله عولمة الاقتصاد والاتصالات والإعلام والتعليم والثقافة والنظام القيمي.

2- الإسهام في بلورة رؤى استراتيجية، واضحة المعالم للمستقبل، وذلك ليس من باب التنبؤات المستقبلية أو رسم خرائط طريق استشرافية، لأن المتغيرات المتسارعة والهائلة من شأنها تجاوز أي تبنؤ أو تخطيط مسبق ولكن من باب “توضيح حقائق وتسليط الضوء على مؤشرات إحصائية وتحليلية يستنير بها من يشاء”.

3- تبديد أوهام، روجتها طروح وأدبيات سياسية حول “نهاية العصر الأميركي” وبروز عالم ما بعد أميركا، وعالم بلا أقطاب، ومحاولات قوى كبرى كالصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، منافسة الدور الأميركي وزعزعة مكانته في النظام العالمي الجديد، ومع تقدير باحثنا لوجاهة هذه الطروح وأسانيدها العلمية والبحثية، إلا أنه يخالفها، انطلاقاً من أن تحليلاتها تراهن على الصعود الاقتصادي الصيني، مقابل تعميق الأزمات الاقتصادية الغربية، وتحديداً تأثيرات الأزمة المالية والديون في الولايات المتحدة، فهي في رأي المؤلف، أنها:

أولاً: أسيرة للتقديرات التي تتوقع تجاوز الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي واحتلاله المركز الأول عالمياً في غضون عقدين أو ثلاثة.

وثانياً: هي تتجاهل بوضوح محددات القوة الأخرى للولايات المتحدة مثل: التعليم والثقافة والتفوق العسكري والتقني والاقتصادي والصناعي، ومصادر الطاقة ووسائل النقل والإنفاق على البحث العلمي والتطوير، والتي تلعب أدواراً استراتيجية، لا تقل تأثيراً عن الاقتصاد، فالولايات المتحدة تتمتع بمزايا عدة تتفوق بها على منافسيها، وفي مقدمتها: الدولار القوي، التركيبة السكانية، كون الولايات المتحدة الأكثر انفتاحاً أمام هجرة العقول والإفادة منها، وفرة العمالة، وروح الابتكار، ومرونة سوق العمل الأميركية.

لذلك يرى المؤلف: أن مقومات القوة الشاملة للولايات المتحدة، وهي القطب المهيمن، لا تزال تؤهلها لمواصلة إحكام قبضتها على مفاصل النظام العالمي وإدارة شؤونه إلى نحو 5 عقود على الأقل.

ويؤكده ما ذهب إليه الكاتب السعودي تركي الحمد في مقالته “الولايات المتحدة من سفر التكوين إلى سفر الخروج” إذ يقول : البعض يعتقد أن الولايات المتحدة على شفا الانهيار، أنا أعتقد العكس، إن الولايات المتحدة لم تبلغ أوج نموها بعد، ويضيف الكاتب الأميركي “فريدمان” في مقالته “عن أميركا الأخرى التي لا تعرفون” قوله: إن أميركا هي البلد الوحيد الذي ينجح فيه الفرد في استثمار عطالته، دلوني على بلد آخر غيرها بثقافة مغامرة ونظام لا يتردد في التعامل مع الأفكار الجديدة لتحويلها إلى منتجات عالمية؟!

4- إن النظام العالمي الجديد يتجه نحو المزيد من العولمة كما يتجه إلى مزيد من الترابط والتواصل، والتدفق والسيولة بين مختلف أرجاء العالم، أصبح سمة مميزة لانتقالات رؤوس الأموال والاستثمارات والبشر والأفكار والمعلومات والسلع والخدمات، ولم يعد الاندماج في الاقتصاد العالمي خياراً انتقائياً يمكن الفكاك منه، بل بات التأقلم مع العولمة في شتى تجلياتها ولاسيما الاقتصادية والثقافية، ضرورة تزداد درجة إلحاحها بعد خفوت صوت المنادين بعولمة بديلة، وقد بات القول بأن العولمة توجه أميركي وغربي، أو مؤامرة عالمية، أمراً من سمات الماضي.

هناك اليوم تحديات عالمية مشتركة تتطلع إلى تعاون دولي فاعل في مواجهتها، مثل: ظواهر الاحتباس الحراري، والأمن الغذائي، والأمن المائي، وأمن الطاقة، والهجرة غير الشرعية، والجريمة المنظمة، والإرهاب، وانتشار أسلحة الدمار الشامل.

في الختام، حبذا لو قام المؤلف بتلخيص هذا السفر الموسوعي الرائع في كتيب في حدود مئة صفحة، تسهيلاً للقارئ العادي.

رابــط المـقال

Share